الباحث القرآني

اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ
قال مقاتل: ثم أخبر عن خلق أنفسهم ليتفكر المكذب بالبعث في خلق نفسه فقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾ [["تفسير مقاتل" 80 ب.]] قال قتادة والكلبي: يعني من نطفة [[أخرجه ابن جرير 21/ 56، عن قتادة. و"تفسير مقاتل" 80 ب. و"تنوير المقباس" ص 343، وذكره ابن قتيبة، "غريب القرآن" ص 343، ولم ينسبه.]]. قال الزجاج: تأويله أنه خلقكم من النُّطفِ في حال ضعف [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 190.]]. قال أبو علي: المعنى: خلقكم من ذي ضعف، أي: من ماء ذي ضعف، كما قال: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [المرسلات: 20] [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 450.]]. ومعنى ضَعفِ ذلك الماء: أنه قليل. وقرئ ﴿ضَعْفٍ﴾ بفتح الضاد [[قرأ عاصم وحمزة: ﴿مِنْ ضَعْفٍ﴾ و ﴿مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ﴾ و ﴿ضَعْفًا﴾ بفتح الضاد فيهن كلهن، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر والكسائي بضم الضاد فيهن كلهن، وقرأ حفص عن نفسه، لا عن عاصم: بضم الضاد. "السبعة في القراءات" ص 508، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 450. قال ابن الجزري: وقد صح عن حفص الفتح والضم جميعًا. "النشر في القراءات العشر" 2/ 345.]]، وهما لغتان [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 450.]]؛ قال الفراء: الضم لغة قريش، والفتح لغة تميم. والاختيار: الضم؛ لما روي أن ابن عمر قرأ على النبي -ﷺ- بالفتح، فردَّ عليه بالضم [[لم أجده عند الفراء، لكن نسبه له الثعلبي 8/ 170 ب. واختار هذه القراءة للرواية الزجاج 4/ 191. والحديث أخرجه الإمام أحمد 7/ 153، تح: أحمد شاكر، والترمذي 5/ 174، كتاب "القراءات" رقم (2936)، وأبو داود 4/ 283، كتاب "الحروف والقراءات"، رقم (3978)، والحاكم 2/ 270، كتاب التفسير، رقم (2974)، وأخرجه الثعلبي 8/ 170 ب، كلهم من طريق فُضيل بن مرزوق عن عطية بن سعد العوفي، قال: قرأت على ابن عمر ﴿مِنْ ضَعْفٍ﴾ فقال ﴿مِنْ ضَعْفٍ﴾ قرأتهُا على رسول الله -ﷺ-، كما قرأتَها عليَّ، فأَخذ علي كما أخذت عليك. وضَعَّف وضعف الحديث الشيخ: أحمد شاكر، لضعف عطية العوفي، راويه عن ابن عمر، "مسند الإمام أحمد" 7/ 153، (تح: أحمد شاكر)، والحديث لا يُعرف بهذا اللفظ إلا من طريقه كما قال الترمذي: لا نعرفه إلا من حديث فُضيل بن مرزوق عن عطية العوفي. وقال الحاكم: تفرد به عطية العوفي، ولم يحتجا به، وقد احتج مسلم بالفضيل بن مرزوق. وعطية هذا قال عنه ابن حجر: صدوق يخطئ كثيرًا، وكان شيعيًا مدلسًا. "تقريب التهذيب" ص 680، رقم (4649). وحَسَّن الحديث الألباني، "صحيح سنن الترمذي" 3/ 14، رقم (2339)، وأحال على كتابه: "الروض النضير". وكتاب "الروض النضير" غير مطبوع فلعل تحسين الألباني له لورود هذا الحديث من طريق آخر؛ قال الطبراني: حدثنا هارون بن موسى == الأخفش المقري الدمشقي، حدثنا سلام بن سليمان المدائني، حدثنا أبو عمرو بن العلاء، عن نافع عن ابن عمر، قال: قرأت على رسول الله -ﷺ- .. الحديث. "المعجم الصغير" للطبراني 2/ 397، رقم (1100). وسلام بن سليمان: ضعيف. "تقريب التهذيب" (425)، رقم (2719). ولذا قال ابن حجر بعد أن ساق هذا الطريق من رواية ابن مردويه، قال: في إسناده سلام بن سليمان. "الكافي الشاف" بحاشية الزمخشري 3/ 470. وقد ذكر محققو مسند الإمام أحمد رواية الطبراني؛ ولم يقووا بها هذا الحديث بل قالوا: قلنا: سلام متروك. "مسند الإمام أحمد" 9/ 186، رقم (5227). ط/ مؤسسة الرسالة. وذكر ابن عدي سلام بن سليمان هذا؛ وقال: هو عندي منكر الحديث، ثم ساق له أحاديث استنكرها عليه منها هذا الحديث؛ ثم قال: وهذه الأحاديث عن أبي عمرو عن نافع عن ابن عمر لا يرويها عن أبي عمرو إلا سلام هذا. "الكامل في ضعفاء الرجال" 3/ 1156. والصواب -والله أعلم- ضعف هذا الحديث، وأنه لا يرتقي لدرجة الحسن. وأقصى ما يفيده الحديث على فرض صحته أن النبي -ﷺ-، أنكر على ابن عمر قراءته ﴿ضَعْفٍ﴾ بغير القراءة التي أقرأه إياها؛ كما ذكر الواحدي عن الفراء أن الضم لغة قريش، والفتح لغة تميم؛ وعلى ذلك لا يؤخذ من هذا الحديث تفضيل قراءة الضم على قراءة الفتح. والله تعالى أعلم.]]. وقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾ يعني: قواكم في حال الشبيبة، وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ﴾ يعني: ضعف الطفولة ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ قال ابن عباس: يريد: عند الكبر أدركه الضعف والهرم. والشيبة: مصدر كالشَّيب، قال المبرد: يعني: من حملة الشيب، فخرج من حملة الشيب مخرج الواحد، ويعني به: الجمع [[قول المبرد: من حملة الشيب، الظاهر منه أنه جعل لفظ: الشيبة أحد أفراد الشيب على اعتبار أن لفظ الشيب مصدر فيه عموم وشمول وإحاطة على حد قوله: فهي تحيط بالشيء، وعليه فلفظ: شيبة مفرد كما هو ظاهر من لفظه أريد به الجمع. والله أعلم.]]، وكذلك القوة والضعف، وجاز هذا؛ لأنها مصادر فهي تحيط بالشيء، تقول: قوي قوة، وشاب شيبة، وضعف ضعفًا؛ لأنها هيآت تقع على النوع. ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ أي: من ضعف وقوة وشيبة وشباب ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ﴾ بتدبير خلقه ﴿الْقَدِيرُ﴾ على ما يشاء.