الباحث القرآني

وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ ۚ كَذَٰلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ
وقوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ قال ابن عباس والمفسرون: يريد يوم القيامة ﴿يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ يحلف المشركون ﴿مَا لَبِثُوا﴾ في القبور ﴿غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ إلا ساعة واحدة [["تفسير مقاتل" 81 أ. وتفسير ابن جرير 21/ 57. وهو قول الزجاج 4/ 191. والثعلبي 8/ 170 ب.]] وقال قتادة: ما لبثوا في الدنيا غير ساعة [[ذكره عنه السيوطي، وعزاه لابن أبي حاتم، وابن المنذر، وعبد بن حميد. "الدر المنثور" 6/ 502.]]. والقول هو الأول؛ لأن الآية الثانية دلت عليه [[وهي قوله تعالى بعد ذلك: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.]]. قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ قال الزجاج: مثل هذا الكذب كذبهم؛ لأنهم أقسموا على غير تحقيق [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 192.]]. وقال الكلبي: كذبوا في قولهم: ﴿غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ كما كذبوا في الدنيا [["تنوير المقباس" ص 343.]]. وقال مقاتل: يقول: هكذا كانوا يكذبون بالبعث في الدنيا، كما كذبوا أنهم لم يلبثوا في قبورهم إلا ساعة [["تفسير مقاتل" 81 أ.]]. وقال ابن قتيبة: أي: كَذبوا في هذا الوقت كما كانوا يكذبون من قبل، ويقال: أُفِك فلانٌ؛ إذا عُدِل به عن الصدق وعن الخير [["غريب القرآن" لابن قتيبة ص 343.]]. وهذا إخبار عن حال المجرم من إقدامه على الإفك، عاقبة أمره كإقدامه في ابتدائه. وذكر مقاتل وغيره في سبب كذبهم: أنهم استقلوا قدر لبثهم في الدنيا في القبور لَمَّا عاينوا الآخرة [["تفسير مقاتل" 81 أ.]]. والصحيح في معنى الآية: أنهم كذبوا من غير عذر، بل حلفوا كاذبين كذبًا صريحًا؛ لأنهم لو استقصروا مدة لبثهم وخُيل إليهم أنهم لم يلبثوا إلا ساعة كانوا معذورين في كذبهم، وليس الأمر على ذلك، ولكن الله تعالى أراد أن يفضحهم فحلفوا على شيء يتبين لأهل الجمع من المؤمنين أنهم كاذبون في ذلك، ويستدلون بكذبهم هناك على كذبهم في الدنيا بالشرك والكفر، وكان ذلك من قضاء الله وقدره بدليل قوله: ﴿يُؤْفَكُونَ﴾ أي: يُصرفون، يعني: كما صُرفوا عن الصدق في حلفهم حتى حلفوا كاذبين، صرفوا في الدنيا عن الإيمان، ولو أراد: كذلك كانوا يكذبون؛ لقال: يَأفكون، فلما قال: ﴿يُؤْفَكُونَ﴾ دلَّ على إثبات القَدَر. ثم ذكر إنكار المؤمنين عليهم كذبهم بقوله: