الباحث القرآني

يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ
قوله تعالى: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾ الآية. قال السدي: ابن [[هكذا في جميع النسخ! والذي يظهر أن هناك كلمة ساقطة وهي: قال.]] لقمان لأبيه: يا أبتاه، لو كانت حبة من خردل الآية في البحر أكان الله يعلمها؟ فقال له يا بني: إنها إن تك [[انظر: "تفسير القرطبي" 14/ 66 ولم ينسبه لأحد، وذكر نحوه الزجاج في "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 197.]]. وقال مقاتل: قال ابن لقمان لأبيه: يا أبت، إن عملت [[في (ب): (علمت).]] بالخطيئة حيث لا يراني أحد، كيف يعلمه الله؟ فرد عليه لقمان: يا بني، إنها إن تك مثقال حبة من خردل [[انظر: "تفسير مقاتل" 82 أ.]]. [قال أبو إسحاق: المعنى إن التي سألتني عنها إن تك مثقال حبة من خردل] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]]. قال: ويجوز أن يكون المعنى إن فعلة الإنسان وإن صغرت يأت بها الله. قال: ويجوز أن يكون الكناية للقصة على أن القصة كذا كما تقول: إنها هند قائمة، وإنها زيد قائمة [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 197 - 198، إلا أن نقل المؤلف رحمه الله لم يكن دقيقًا، فأبو إسحاق يقول: فعلى معنى إن التي سألتني عنها إن تك مثقال حبة، وعلى معنى أن فعلة الإنسان وإن صغرت يأت الله بها، ويجوز إنها إن تك بالتاء مثقال حبة من خردل، على معنى أن القصة كما تقول: إنها هند قائمة، ولو قلت: إنها زائد قائم لجاز. قلت: أما قول المؤلف: إنها زيد قائمة فهذا وجه لا يجوز في اللغة العربِية بحال.]]. وهذا من الضمير على شريطة التفسير، وذكرنا ذلك عند قوله: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ﴾ [الحج: 46] وفي مواضع. وقوله: ﴿إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾ [[في (أ) زيادة واو (وإن تك)، وهو خطأ.]] قرئ: مثقال بالرفع والنصب، فمن نصب باسم كان لينبغي أن يكون مضمرًا على تقدير: إن تكن الخطيئة أو المظلمة أو السيئة مثقال حبة من خردل راجع إلى معنى خردلة، فهو بمنزلة إن تك حبة من خردل، أو يقال: المراد بمثقال حبة من خردل هو السيئة والحسنة، [فأنث] [[ما بين المعقوفين طمس في (ب).]] تك على المعنى كما قال: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: 160] فأنث وإن كان المثل مذكرًا، فإنه يراد به الحسنات، فحمل [[في (ب): (تحمل).]] على المعنى، وكذلك المثقال [[في (ب): (للثقال).]] [[انظر: "الحجة" 5/ 456.]]. و ﴿تَكُ﴾ هاهنا بمعنى تقع، ولا خبر له. قوله تعالى: ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ﴾ قال ابن عباس في رواية: يعني: الصخرة التي تحت الأرضين السبع، وهي التي يكتب فيها أعمال الفجار [[ذكره ابن كثير في "تفسيره" 3/ 446، وقال: ذكره السدي بإسناده ذلك المطروح عن ابن مسعود وابن عباس وجماعة من الصحابة. ذكر الماوردي في "تفسيره" 4/ 337 وعزاه للربيع بن أنس والسدي. وذكره القرطبي 16/ 68 ولكنه والماوردي لم يذكرا آخر القول، وهو أنها التي يكتب فيها أعمال الفجار. وذكر القول بأكمله منسوبًا لابن عباس: الثعلبي في "تفسيره" 173/ 3 أ.]]. ونحو هذا قال مقاتل، قال: وهي صخرة خضراء مجوفة [["تفسير مقاتل" 3/ 266.]]. وقال عبد الله بن الحارث: هي صخرة خضراء على ظهر الحوت [[ذكره "تفسير القرطبي" 14/ 68 ولم ينسبه لأحد، وذكره الثعلبي منسوبًا للسدي 5/ 173 أ، وذكره الماوردي 6/ 337 ونسبه لعبد الله بن الحارث.]]. قال الكلبي: هي الصخر التي الأرض عليها [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 105 - 106.]]. ونحو هذا قال السدي: هذه ليست في السموات ولا في الأرض، إنما هي تحت سبعة أرضين عليها ملك قائم [[ذكره القرطبي 14./ 68، والثعلبي 5/ 173 أ، ونسبه للسدي.]] [[كل هذه الأقوال التي ذكرها المؤلف -رحمه الله- في معنى الصخرة -والله أعلم- من الإسرائيليات التي لا تصدق ولا تكذب. قال ابن عطية في "تفسيره" 4/ 350 بعد أن ذكر بعض تلك الأقوال: وهذا كله ضعيف لا يثبته سند، وإنما معنى الكلام المبالغة والانتهاء في التفهيم، أي أن قدرته تنال ما يكون في تضاعيف صخرة وما يكون في السماء وفي الأرض.]]. وقال قتادة: فتكن في صخرة، أي: جبل [[انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 338، "مجمع البيان" 8/ 499.]] ﴿أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ﴾ إن قيل: هذه الصخرة لا يخلو من أن تكون في الأرض، وإذا حصل بكونه في الأرض أغنى ﴿أَوْ فِي الْأَرْضِ﴾ عن قوله: ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ﴾. قيل: قد صرح السدي بأن هذه الصخرة ليست في الأرض، على أن هذا النحو من التأكيد والتكرير لا ينكر، وعلى هذا قوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: 1] ثم قال: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ [العلق: 2] قوله: ﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾ قال ابن عباس: يقول يعلمها الله [[لم أعثر عليه فيما لدي من مراجع.]]. وهذا قول السدي [["تفسير الطبري" 21/ 73.]]. وهو معنى وليس بتفسير. قال أبو إسحاق: وهذا مثل لأعمال البلاد [[هكذا في النسخ! والصحيح: العباد، انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 198.]] إن الله -عز وجل- يأت بأعمالهم يوم القيامة، فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره، ومن يعمل مثقال شرًّا يره [["معاني القرآن وإعرابه " 4/ 198.]]. قال أبو علي: هذا يثبت أن المظالم لا تخفى عليه، وأن الله تعالى يأت بها، ولن يدع أن يثيب أو يعاقب عليها إن لم تكن قد كفر عنها أو أحبط [[انظر: "الحجة" 4/ 456، وهذا من المواضع التي نقل فيها المؤلف -رحمه الله- عن أبي علي ولكنه لم ينقل نقلاً صحيحًا، بل نقل واختصر وقدم وأخر، ولم يبين ذلك رحمه الله، فعبارة أبي علي بعيدة عن عبارة المؤلف، وعبارة أبي علي الأخيرة: إن لم يكن كفر أو أحبط.]]. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ قال ابن عباس ومقاتل والزجاج: لطيف باستخراجها، خبير بمكانها [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 197، "تفسير مقاتل" 82 ب. ولم أقف على من نسبه لابن عباس.]].