الباحث القرآني

جديد: التفسير التفاعلي
وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا ۚ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ
وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ قال الكلبي ومقاتل: نزلت في النضر بن الحارث الداري وكان يشتري كتبًا فيها أخبار الأعاجم ويحدث بها أهل مكة، ويقول: محمد يحدثكم أحاديث عاد وثمود، وأنا أحدثكم حديث [[في (ب): (أحاديث).]] فارس والروم وملوك الحيرة [[انظر: "تفسير مقاتل" 81/ أ، "معاني القرآن" للفراء 2/ 326، "تفسير الماوردي" 4/ 29، "زاد المسير" 6/ 316. والحيرة: بالكسر ثم السكون مدينة كانت على ثلاثة أميال من الكوفة، على موضع يقال له: النجف، زعموا أن بحر فارس كان يتصل بها. انظر: "معجم البلدان" لياقوت 2/ 328.]]. قال مقاتل: لهو الحديث: باطل الحديث، يعني باع القرآن بالحديث الباطل حديث رستم وأسفنديار، فزعم أن القرآن مثل حديث الأولين [["تفسير مقاتل" 2/ 81 أ.]]. وهذا القول هو [قول] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ).]] الفراء وابن قتيبة [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 326 ونسبه لابن عباس، "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 344.]]، وهو قول ابن عباس في رواية عطاء قال: ومن يشتري [[في (أ): زيادة (قال)، وهو خطأ.]] هو النضر بن الحارث خرج إلى الحيرة فاشتري أحاديث الأولين، وجاء بها إلى مكة، واجتمع إليه المشركون يقرأها عليهم، ويقول: أنا اقرأ عليكم كما يقرأ عليكم محمد أساطير الأولين. هذا قول معمر [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 14/ 52، وذكره الفراء في "معاني القرآن" 2/ 326 غير منسوب لأحد.]] [[هو: الإمام الحافظ شيخ الإسلام أبو عروة بن أبي عمرو الأزدي مولاهم البصري نزيل اليمن، صاحب الزهري كهلًا، وأقدم شيوخه موتًا قتادة. ولد سنة خمس أو ست وتسعين، ارتحل في طلب الحديث إلى اليمن، فلقي بها همام بن منبه == صاحب أبي هريرة. حدث عن قتادة والزهري وعمرو بن دينار وهمام بن منبه وغيرهم كثير. وعنه أيوب وأبو إسحاق وعمرو بن دينار وغيرهم، مات سنة 153هـ. انظر: "سير أعلام النبلاء" 7/ 5، "شذرات الذهب" 1/ 235، "طبقات ابن سعد" 5/ 546.]]. وأكثر المفسرين على أن المراد بلهو الحديث: الغناء، وهو رواية سعيد بن جبير ومقسم عن ابن عباس [[انظر: "تفسير الطبري" 21/ 61، "تفسير الماوردي" 4/ 328، "مجمع البيان" 8/ 490، "زاد المسير" 6/ 316، البيهقي في "السنن الكبرى" 10/ 223.]]، وأبي الصهباء [[هو: صهيب أبو الصهباء البكري البصري، ويقال: المدني، مولى ابن عباس، روى عن مولاه ابن عباس وعلي بن أبي طالب وعثمان بن عفان وابن مسعود. وعنه سعيد بن جبير وطاوس بن كيسان وجماعة. قال عنه أبو زرعة: مدني ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات. روى له مسلم وأبو داود والنسائي، وقد ضعفه النسائي. انظر: "تهذيب الكمال" 13/ 241، "الكاشف" 1/ 505، "التاريخ الكبير" 4/ 316.]] عن ابن مسعود [[انظر: "تفسير الطبري" 21/ 61، "تفسير الماوردي" 4/ 328، "مجمع البيان" 8/ 490، زاد المسير 6/ 316. وأخرجه الحاكم في "المستدرك" كتاب التفسير: تفسير سورة لقمان 2/ 411، وقال عنه: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. والبيهقي في "السنن الكبرى" 10/ 223.]]، وهو قول مجاهد وعكرمة [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 105، "تفسير الطبري" 21/ 61 وما بعدها، "تفسير الثعلبي" 3/ 181 ب، "تفسير الماوردي" 4/ 328، "زاد المسير" 6/ 316.]]. وروى ابن أبي [...] [[ما بين المعقوفين بقدر كلمة غير واضحة.]] عن أبيه عن ابن عباس في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ قال: اشتراء الجارية تغنيه ليلاً ونهارًا [[أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" 10/ 223 عن ابن عباس قال: هو الغناء وأشباهه. وكذا في "معرفة السنن والآثار" 14/ 327 رقم 20157.]]. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد في هذه الآية، قال: اشترى المغني والمغنية بالمال الكثير والاستماع إليه وإلي مثله من الباطل [[انظر: "تفسير مجاهد" ص 503، "تفسير الطبري" 21/ 62. وذكره السيوطي في "الدر" 6/ 570، وعزاه لآدم وابن جرير والبيهقي في "سننه".]]. وهو قول مكحول [[ذكر قول مكحول البغوي في "تفسيره" بهامش "تفسير الخازن" 5/ 214، والخازن في "تفسيره" 5/ 214، قال مكحول: من اشترى جارية ضرابة ليمسكها لغنائها وضربها مقيمُا عليه حتى يموت لم أصل عليه، وإن الله يقول: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ الآية.]]. وروي ذلك مرفوعًا، روى القاسم عن أبي أمامة قال: قال رسول الله -ﷺ-: "لا يحل تعليم المغنيات ولا بيعهن، وأثمانهن حرام"، وفي مثل هذا نزلت الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [[رواه أحمد 5/ 264، والترمذي 5/ 26 وقال: هذا حديث غريب، وابن ماجه في في التجارات، باب ما لا يحل بيعه، رقم (2168)، والطبري في "تفسيره" 21/ 60، والطبراني في "المعجم الكبير" 8/ 212، 253.]] وهذا القول اختيار أبي إسحاق قال: أكثر ما جاء في التفسير أن لهو الحديث هاهنا الغناء؛ لأنه يلهي عن ذكر الله [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 194.]]. قال أهل المعاني: ويدخل في هذا كل من اختار اللهو والغناء والمزامير والمعازف على القرآن [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 327، "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 4/ 194، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 277 وما بعدها. ويقصد بأهل المعاني: من كتبوا في معاني القرآن من جهة اللغة والنحو، كالفراء والزجاج وابن الأنباري والأخفش. قال في "البرهان" 1/ 192: قال ابن الصلاح: == وحيث رأيت في كتب التفسير قال أهل المعاني، فالمراد به مصنفو الكتب في "معاني القرآن" كالزجاج ومن قبله.]]. وإن كان اللفظ قد ورد بالشراء ولفظ الشراء يذكر في الاستبدال والاختيار، وهو كثير في القرآن، ويدل على هذا ما قال قتادة في هذه الآية: أما والله لعله ألا يكون [[في (ب): (إلا أن يكون).]] أنفق مالاً، وبحسب المرء من الضلالة أن يختار حديث الباطل على حديث الحق [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 105، "تفسير الطبري" 21/ 61، "المحرر الوجيز" 11/ 484.]]. وهذه الآية -على هذا التفسير- تدل على تحريم الغناء، وفيه تفصيل يحتاج إلى ذكره هاهنا. قال الشافعي رحمه الله: وإن كان يديم الغناء، ويغشاه المغنون معلنًا فهذا سفه يرد به معنى الشهادة، وإن كان ذلك بقل لم يرد، فأما استماع الحداء ونشيد الأعراب والرجز فلا بأس به [["الأم" 6/ 214.]]، هذا كلامه. قال أصحابنا: نشيد الأعراب يجوز استماعه، وإن أنشد في الألحان في الحداء وغيره، وأما الغناء المحض فالقليل منه لا يعد سفهًا، والمداومة عليه من جملة السفه لا سيما مع الإعلان، وأما الأوتار والمزامير والمعازف كلها حرام، وكذلك طبل اللهو، أما الراع فمكروه استماعه مع تخفيف فيه؛ لما روي عن نافع عن [[هكذا في النسخ، ولعل الصواب: أن.]] ابن عمر سمع صوت زمارة راع، فجعل أصبعيه في أذنيه، وعدا عن الطريق، وجعل يقول: يا نافع: أتسمع؟ فأقول: نعم، فلما قلت: لا، راجع الطريق، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله -ﷺ- يفعله [[ذكره صاحب "كنز العمال" 15/ 227، رقم الحديث (40692) وقال: أخرجه ابن == عساكر. وأورده السيوطي في "الدر" 6/ 507، وعزاه لابن أبي الدنيا، والبيهقي عن نافع.]]. فلما اقتصر رسول الله -ﷺ- على وضع الأصبع في الأذن ولم يصرح بالنهي عنه، دل على ما ذكرنا. وأما غناء الفساق فذلك أشد ما في الباب. وذلك لكثرة الوعيد الوارد فيه، وهو: ما روي أن النبي -ﷺ- قال: "من استمع إلى قينة صب في أذنيه الآنك يوم القيامة" [[ذكره صاحب "كنز العمال" 3/ 662، وقال: أخرجه ابن عساكر عن أنس.]]. وأما الدف فمباح، ضرب بين يدي رسول الله -ﷺ- يوم دخل المدينة فهم أبو بكر بالزجر، فقال رسول الله -ﷺ-: "دعهن يا أبا بكر حتى تعلم اليهود أن ديننا فسيح" فكن يضربن ويقلن: نحن بنات النجار ... حبذا محمد من جار [[ذكر هذا الأثر الإمام ابن كثير في "البداية والنهاية" 3/ 219، وفي "السيرة النبوية" 2/ 274، وقال عنه: هذا حديث غريب من هذا الوجه، لم يروه أحد من أصحاب السنن، وقد خرجه الحاكم في "مستدركه" كما يروى. وذكره الحلبي في "السيرة الحلبية" 2/ 246، وأورده كذلك الشامي في "سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد" 3/ 274.]] وأما الحركة التي تعتري الإنسان عند السماع، فما حصل منه والإنسان فيه كالمغلوب فذلك لا يعد سفهًا. فقد روي أن زيد بن حارثة لما نزل اسمه في القرآن حجل [[حجل، قال الأزهري: الإنسان إذا رفع رجلاً وتريث في مشيه على رجل فقد حجل. قلت: ومثل هذه الحالة تكون من الإنسان حينما يفرح. انظر: "اللسان" 11/ 144.]] [[هذا الأثر ذكره ابن منظور في "اللسان" 11/ 144.]]. وأما حالة الاختيار فذلك غير حميد. فمعناه: قوله تعالى: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فقال مقاتل: يعني لكي يشترك بحديث الباطل عن دين الله [[انظر: "تفسير مقاتل" 81 ب قال: يعني لكي يستزل بحديث الباطل عن سبيل الله الإسلام.]] ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ يعلمه. وقال أبو إسحاق: من قرأ: ﴿لِيُضِلَّ﴾، بضم الياء، ليضل غيره إذا أضل غيره فقد ضل هو أيضًا ومن قرأ ﴿لِيُضِلَّ﴾ فمعناه: ليصير أمره إلى الضلال، وهو إن لم يقدر أن يضل فإنه يصير أمره إلى أن يضل [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 194.]]. ومعنى قوله: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي جاهل فيما يفعله عن علم. وقوله: ﴿وَيَتَّخِذَهَا﴾ بالرفع عطف على يشتري، وبالنصب على ليضل [[انظر: "القراءات وعلل النحويين فيها" 2/ 523، "الحجة" 5/ 453.]]. واختلفوا في الكناية، فقال مجاهد: الكناية للسبيل [[انظر: "تفسير الطبري" 21/ 64.]] [ويتخذ سبيل الله هزوًا. قال مقاتل: آيات القرآن هزوًا [[انظر: "تفسير مقاتل" 81 ب، قال: ويتخذ آيات القرآن استهزاء به.]]. وذكر الفراء والزجاج وأبو علي القولين فقالوا: قد جرى ذكر الآيات في قوله: ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ فيجوز الضمير للآيات، ويجوز أن يكون للسبيل] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]]، والسبيل يؤنث قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ [يوسف: 108] [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 327، "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 4/ 194، "الحجة" لأبي علي 5/ 453.]] وما بعد هذا من الآيات مفسر في مواضع مما تقدم.