الباحث القرآني

تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمۡ عَنِ ٱلۡمَضَاجِعِ یَدۡعُونَ رَبَّهُمۡ خَوۡفࣰا وَطَمَعࣰا وَمِمَّا رَزَقۡنَـٰهُمۡ یُنفِقُونَ
قوله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ﴾ قال الليث: يقال: جفا الشيء يجفو جفاء ممدودًا، إذا سأل السرج [[هكذا في النسخ! وهو خطأ والصواب كما في "تهذيب اللغة": كالسراج.]]، يجفو عن الظهر إذا لم يلزمه وكالجنب يجفوا عن الفراش وأنشد: إن جنبي عن الفراش لنائي [[هكذا في نسخة (أ)، وفي (ب): (نائي)، وهو في "تهذيب اللغة": لناب.]] ... كتجافي الأسر فوق الظراب [[انظر: "تهذيب اللغة" 11/ 206، (جفا).]] [[البيت من الخفيف، وهو لمعد يكرب في "اللسان" 1/ 569، 4/ 360، "التنبه والإيضاح" 1/ 112، 2/ 132، "كتاب العين" 6/ 190، 7/ 188. ولعمرو بن الحارث أخي معد يكرب في: "معجم الشعراء" ص 467. والسرر: داء يأخذ البعير == في كركرته، والكركرة هي رحى زور البعير- فتسيل ماء، فإذا برك على موضع خشن تجافى عنه لشدة الوجع. والضارب: الجبال الصغار. انظر: "معجم الشعراء" ص 467.]] ومن هذا يقال: جفت عيني فلان عن الغمض، إذا نبت عنه لم ينم، ومنه قوله: جفت عيني عن التغميض حتى ... كأن جفونها عنها قصار [[البيت من الوافر، وهو لبشار بن برد في "ديوانه" 3/ 249، "الكامل للمبرد" 2/ 760، "لسان العرب" 15/ 320.]] قال أبو عبيدة والزجاج وابن قتيبة: تتجافي ترتفع [["مجاز القرآن" 2/ 132، "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 207، "تفسير غريب القرآن" ص 346.]]. وقال الفراء: تقلق [["معاني القرآن" 2/ 331.]]. وقوله: ﴿عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ المضجع: الموضع الذي يضطجع عليه، وجمعه المضاجع، وقيل ما يستعمل ضجع يضجع من باب الثلاثي، إنما يشعمل مضجع واضطجع. قال ابن عباس في تفسير المضاجع: هي الأوطية [[لم أقف عليه.]]. واختلفوا في الذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع من هم؟ فقال الحسن ومجاهد وأبو العالية: هم المجتهدون بالليل [[انظر: "الطبري" 21/ 101، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 304، "تفسير الماوردي" 4/ 363.]]. وهو بمعنى قول ابن عباس في رواية عطاء. وروي ذلك مرفوعًا في حديث معاذ بن جبل أن النبي -ﷺ- قال في قوله: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ هو: "هو قيام العبد بالليل" [[الحديث أخرجه الإمام أحمد في "مسنده" 5/ 232. وذكره "السيوطي في الدر" 6/ 547، وعزاه لأحمد وابن جرير وابن مردويه وابن أبي حاتم.]]. وقال آخرون: هم الذين كانوا لا ينامون حتى يصلون العشاء الآخرة، وهو قول أنس بن مالك ومجاهد وعطاء [[انظر: "تفسير الطبري" 21/ 101، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 304، "تفسير الماوردي" 4/ 363.]]. قال أنس: نزلت في انتظار الصلاة التي تدعى العتمة. وقال مجاهد: نزلت في ناس من الأنصار، كانوا لا ينامون حتى يصلون العشاء الآخرة. وقال عطاء: هي العتمة، يعني يصلونها ولا ينامون عنها [[انظر أقوال الثلاثة في: المصادر السابقة.]]. وقال آخرون: هم الذين يصلون بين صلاة المغرب إلى صلاة العشاء [[في (أ): (عشاء).]] الآخرة، فأنزل الله هذه الآية [[قال بهذا القول أنس وقتادة وعكرمة. انظر: "تفسير الطبري" 21/ 101، "تفسير الماوردي" 4/ 363.]]. روى قتادة عنه قال: نزلت فينا معاشر الأنصار، كنا نصلي المغرب فلا نرجع إلى رحالنا حتى نصلي العشاء مع النبي -ﷺ- [[أورده "السيوطي في الدر" 6/ 546 وعزاه لابن مردويه عن أنس، وأورده الطبرسي في "مجمع البيان" 8/ 518.]]. قوله تعالى: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ قال ابن عباس: خوفًا من النار، وطمعًا في الجنة [[أورده "تفسير الطبري" 21/ 103 ونسبه لقتادة، وذكره غير منسوب: "الماوردي" 4/ 363. "تفسير الطبرسي" 8/ 518، ولم أقف عليه منسوبًا لابن عباس.]]. وقال مقاتل: خوفًا من عذابه، ورجاء في جنته [[انظر: "تفسير مقاتل" 85 أ.]]. قال أبو إسحاق: (وانتصاب [[في (ب): (وانتصب).]] خوفًا وطمعًا؛ لأنه مفعول له، وحقيقته أنه في موضع مصدر؛ لأن ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ في هذا الموضع يدل على أنهم يخافون ويرجون، فهو في تأويل: يخافون خوفًا ويطمعون طمعًا [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 207.]]. قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ قال الكلبي: في الواجب عليهم والتطوع [[انظر: "الوسيط" 3/ 453. وذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 6/ 339، ولم ينسبه لأحد.]].