الباحث القرآني

الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ
قوله تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ وقرئ (خَلَقه) بفتح اللام على الفعل، فمن قرأ (خَلْقه) بسكون اللام، ففيه وجهان: أحدهما [[في (أ): (أحدها).]]: أن التقدير الذي أحسن خلق كل شيء. وهو قول قتادة [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 109، "زاد المسير" 6/ 334. وذكره الماوردي 4/ 355، الطبرسى 8/ 512 عن ابن عباس.]]، واختيار الأخفش [[لم أقف على اختيار الأخفش له.]] وصاحب "النظم". وذكره أبو إسحاق وأبو علي [[انظر: "معاني القرآن واعرابه" 4/ 204، "الحجة" 5/ 460 - 461.]]. قال الأخفش في قوله: (خَلْقَه) على البدل، يعني أنه أبدل خلقه من كل شيء [[لم أقف على قول الأخفش.]]. وقال صاحب النظم: من سكن اللام فيه تقديم وتأخير على تأويل: أحسن خلق كل شيء، إلا أنه -عز وجل- لما قدم كل شيء، والمراد خلق كل شيء، أبدل منه دلالة عليه بالكناية عنه. وقال أبو علي: فجعل (خلقه) بدلاً من (كل)، فيصير التقدير الذي أحسن خلق كل شيء [[انظر: "الحجة" 5/ 461.]]. وأما معنى ﴿أَحْسَنَ﴾ فقال [[في (ب): (وقال).]] ابن عباس في رواية عطاء: أتقن ما خلق. وهو لفظ مجاهد [[انظر: "تفسير مجاهد" ص 35، "تفسير الطبري" 21/ 93، "تفسير الماوردي" 4/ 355، "مجمع البيان" 8/ 512.]]. ومعنى الإحسان هاهنا الإتقان والإحكام. وروي عكرمة عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية: أما أن است القرد ليست بحسنة ولكن أحكم خلقه [[انظر: "تفسير الطبري" 21/ 93، "القرطبي" 14/ 90، "البحر المحيط" 8/ 433.]]. وقال مقاتل: علم كيف يخلق الأشياء من غير أن يعلمه أحد [[انظر: "تفسير مقاتل" 84 ب.]]. قال السدي: أحسنه لم يتعلمه من أحد [[انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 355، "مجمع البيان" 8/ 512، "زاد المسير" 6/ 334.]]. ومعنى الإحسان على هذا القول العلم، قال: فلان يحسن كذا، إذا كان يعلمه. وقال صاحب "النظم": معنى الخلق التقدير، ومعنى ذلك أنه -عز وجل- لما طول رجل البهيمة، والطائر طول عنقه؛ لئلا يتعذر عليه ما لا بد به من قوته، [ولو] [[في جميع النسخ: (وهو)، وهذا خطأ. والتصويب من "الوسيط" للمؤلف 3/ 450.]] تفاوت ذلك لم يكن له معاش، وكذلك كل شيء من أعضاء الحيوان مقدر لما يصلح له معاشه. وقال أبو إسحاق: تأويل الإحسان في هذا أنه خلقه على إرادته، فخلق الإنسان في أحسن تقويم، وخلق القرد على ما أحب، وخلقه إياه على ذلك من أبلغ الحكمة [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 204.]]. الوجه الثاني في هذه القراءة: أن قوله: ﴿خَلَقَهُ﴾ وإنتصب على المصدر الذي دل عليه أحسن، والمعنى الذي خلق كل خلقه. قاله الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 204. قال الزجاج: (الذي خلق كل شيء خلقه)، فكلمة شيء ساقطة.]]. وشرحه أبو علي فقال: خلقه ينتصب على أنه مصدر دل عليه ما تقدم من قوله: ﴿أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾؛ لأن قوله أحسن كل شيء [يدل على خلقه كل شيء] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] [["الحجة" 5/ 461.]]. والضمير في خلقه كناية عن اسم الله تعالى، والذي يدل على ذلك أنه مصدر لم يسند الفعل المنتصب عنه إلى فاعل ظاهر، وما كان من هذا النحو أضيف المصدر فيه إلى الفاعل نحو: صنع الله. ووعد الله، وكتاب الله، فكما أضيف هذه المصادر إلى الفاعل كذلك يكون خلقه مضافًا إلى ضمير الفاعل، وهذا الذي ذكرنا مذهب سيبويه [["الكتاب" 1/ 380 - 381، وانظر: "مجمع البيان" 8/ 511.]]. وعلى هذا التقدير معنى الآية الذي خلق كل شيء. ومن قرأ خلق بفتح اللام، كان صفة للنكرة المتقدمة، وموضع الجملة يحتمل وجهين: أحدهما: إن جعلتها صفة لكل كانت في موضع نصب، وإن جعلتهما وصفًا لشيء كانت في موضع جر، ومثل وصف النكرة بالجملة قوله: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام: 92]، فقوله: ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ وصف لكتاب، وموضع الجمل رفع، والدليل على ذلك رفع مبارك بعده فتعلم بارتفاع المفرد أن الجملة قبله في موضع رفع [[انظر: الكلام بنصه في: "الحجة" 5/ 462.]]. ومعنى الإحسان على هذه القراءة يحتمل العلم ويحتمل الأحكام. قال الكلبي: أحكم كل شيء عمله، فلم يعنه عليه أحد [[ذكر نحوه "الماوردي" 4/ 355، ولم ينسبه.]]. قوله تعالى: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ قال مقاتل: يعني آدم، كان أوله طينًا فلما نفخ فيه الروح صار لحمًا [[انظر: "تفسير مقاتل" 84 ب.]].