الباحث القرآني

إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا
وقوله: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ﴾ إذ بدل من قوله: ﴿إِذ جَاَءَتكُمْ جُنُودُ﴾، وإذ ظرف لإنعام الله عليهم، كأنه قيل: اذكروا إنعام الله عليكم بالكفاية حين جاءتكم جنود، حين جاءوكم ﴿مِنْ فَوْقِكُمْ﴾. قال المفسرون: يعني من فوق الوادي من قبل المشرق، قريظة وعليهم حيي بن أخطب، والنضير وعليهم مالك بن عوف [[لم تذكر كتب المغازي والسير هذا الاسم ضمن قواد هذه الغزوة. لكن ذكر في غزوة حنين (مالك بن عوف النصْري) كان رئيس المشركين، ثم أسلم، وكان من المؤلفة قلوبهم، وحسن إسلامه، واستعمله النبي -ﷺ- على من أسلم من قومه.]]، وغطفان وعليهم عيينة بن حصن ومعهم طليحة بن خويلد [[هو: طليحة بن خويلد الأسدي، يقال: طليحة الكذاب؛ لأنه ارتد بعد وفاة النبي -ﷺ- وادعى النبوة، كان من فصحاء العرب وشجعانهم، أسلم بعد ردته في زمن == عمر -رضي الله عنه-، وخرج إلى العراق فحسن بلاؤه في الفتوح، واستثهد بنهاوند. انظر: "الاستيعاب بحاشية الإصابة" 1/ 229، "الإصابة" 1/ 226، "الأعلام" 3/ 230.]] في بني أسد. وقوله: ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ يعني: من بطن الوادي من قبل المغرب من ناحية مكي، أبو سفيان في قريش ومن اتبعه [["الثعلبي" 3/ 186 وما بعدها، "تفسير الطبري" 21/ 129 وما بعدها، "القرطبي" 14/ 144.]]. وقال الكلبي على الضد مما ذكرنا فقال: من فوقكم يريد من مكة، ومن أسفل منكم يريد أسد وغطفان [[ذكره ابن كثير 3/ 474، ولم ينسبه للكلبي وإنما هو من رواية حذيفة بن اليمان -رضي الله عنه- في حديثه الطويل المشهور بشأن تلك الغزوة.]]. ونحو ذلك قال الفراء: من فوقكم مما يلي مكة، ومن أسفل منكم مما يلي المدينة [["معاني القرآن" 2/ 336]]. قوله: ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ﴾ ومعنى زاغت في اللغة: عدلت ومالت، يقال: زاغت الشمس تزيغ زيوغًا وزيغانًا [[انظر: "اللسان" 8/ 432 (زيغ)، "الصحاح" 4/ 1320 (زيغ).]]، قال قتادة ومقاتل: شخصت فرقًا [["تفسير مقاتل" 2/ 232، وذكره الطبري 21/ 131، وعبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 113 منسوبًا لقتادة.]]، والشخوص غير الزيغ؛ لأن الشخوص هو أن يفتح [عينه] [[ما بين المعقوفين طمس في (ب).]] ينظر إلى الشيء فلا يطرف؛ يقال: شخص بصر الميت [[انظر: "تهذيب اللغة" 7/ 71 (شخص)، "اللسان" 7/ 45 (شخص).]]. وإنما فسروا الزيغ بالشخوص هاهنا. لأن المعنى أن الأبصار مالت عن كل شيء فلم تنظر إلا إلى هؤلاء الذين أقبلوا من كل جانب، كأنها اشتغلت عن النظر إلى شيء آخر فمالت عنه وشخصت بالنظر إلى الأحزاب. قال الكلبي: مالت أبصارهم إلا من النظر إليهم [[لم أجد من نسب هذا القول للكلبي، وذكر نحوه الطرسي في "مجمع البيان" 8/ 532، ولم ينسبه لأحد، كما ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 6/ 358، ولم ينسبه لأحد.]]. وقال الفراء: زاغت عن كل شيء فلم تلتفت إلا إلى عدوها [["معاني القرآن" 2/ 336.]]. متحيرة تنظر إلى عدوها، وهذا الذي ذكره شرح شاف. قوله تعالى: ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ االحنجرة: جوف الحلقوم، وكذلك الحنجور. قال قتادة: شخصت من مكأنها فلولا أنه ضاق الحلقوم عنها أن تخرج لخرجت [["تفسير عبد الرزاق" 2/ 113، وذكره السيوطي في "الدر" 6/ 576 عنه وقال: أخرجه عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم.]]. قال عكرمة: لو أن القلوب تحركت أر زالت لخرجت نفسه، ولكن إنما هو الفزع [["تفسير الطبري" 21/ 131، وذكره السيوطي في "الدر" 6/ 576 عنه، وقال: أخرجه ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر.]]. قال ابن قتيبة: معناه وكادت القلوب تبلغ الحناجر [["تفسير غريب القرآن" ص 348.]]. و (كاد) مضمر في الآية. قال ابن الأنباري: وهو غلط؛ لأن كاد لا يضمر ولا يعرف معناه إذا لم يوجد مظهر [[ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 6/ 358 عن ابن الأنباري.]]. فإنه ولو جاز هذا لجاز: قام عبد الله بمعنى كاد عبد الله يقوم، فيكون تأويل قام عبد الله لم يقم عبد الله، والمعنى ما ذهب إليه الفراء، وهو أنهم جبنوا وجزع أكثرهم. وسبيل الجبان إذا اشتد خوفه أن تنتفخ رئته، فإذا انتفخت دفعت القلب إلى الحنجرة، ولهذا يقال للجبان: انتفخ سحره [[ذكره البغوي في "تفسيره" 3/ 517. ونسبه للفراء، وذكره الواحدي في "الوسيط" 3/ 461.]]، وهذا الذي ذكره الفراء وهو قول الكلبي، قال: رفعت الرئة القلب وانتفخت حتى صارت عند الحنجرة فلم ترجع [["معاني القرآن" للفراء 2/ 336 مع اختلاف في العبارة.]] ولم تخرج. قال أبو سعيد: قلنا يوم الخندق: يا رسول الله، هل من شيء نقوله: فقد بلغت القلوب الحناجر. قال: فقولوا: "اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا". قال: فقلناها فضرب وجوه أعداء الله بالريح فهزموا [[أخرجه الإمام أحمد في "مسنده" 3/ 3، وذكره السيوطي في "الدر" 6/ 573، وعزاه لأحمد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري.]]. وقوله: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ قال ابن عباس: يريد خفتم كثرتهم حتى قنطتم، وكان الله لكم ناصرًا [[لم أقف عليه.]]. وقال مقاتل: يعني الإياس من النصر واختلاف الأمر والنهي [["تفسير مقاتل" 88 ب.]] أن ظنونكم اختلفت، فظن بعضكم بالله النصر ورجاء الظفر والكفاية، وبعض يئس وقنط. وقال الكلبي: ظن به يومئذ ناس من المنافقين ظنونًا مختلفة، يقولون: هلك محمد وأصحابه [[ذكر هذا القول البغوي في "تفسيره" 3/ 516 غير منسوب لأحد، والطبرسي في "مجمع البيان" 8/ 532 غير منسوب لأحد.]]. فعلى القول الأول (تظنون) خطاب للمؤمنين، وعلى قول الكلبي خطاب للمنافقين، والمؤمنون كانوا واثقين بنصر الله ووعده بالنصر لدينه ورسوله. وقال الحسن: ظنونًا مختلفة، ظن المنافقون أنه يستأصل، وظن المؤمنون أنه ينصر [[انظر: "تفسير الطبري" (21/ 132)، "الماوردي" 4/ 380، وذكره السيوطي في "الدر" 6/ 577، وعزاه لابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن.]]. الظونا والرسولا والسبيلا: ثلاثة أوجه من القراءة؛ إثبات ألفاتها وقفا ووصلا، وحذفها في الحالين، وإثباتها في حال الوقف وحذفها في الوصل. قال أبو الحسن الأخفش: العرب تلحق الواو والياء والألف في أواخر القوافي، فشبهت أواخر الآي بالقوافي [["معاني القرآن" للأخفش 2/ 480، وانظر: "علل القراءات" 2/ 535، "الحجة في القراءات السبع" ص 289.]]. وقال أبو علي: أواخر الآي تشبه بالقوافي من حيث كانت مقاطع، كما كانت القوافي مقاطع فكما ثبتت قوله: ﴿رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾ [الفجر: 15] ﴿رَبِّي أَهَانَنِ﴾ [الفجر: 16] في حذف الياء بنحو: من حذف [[هكذا في النسخ، وهو خطأ والصواب حذر.]] الموت أن يأتين و: إذا ما انتسبت له أنكرن [[عجزا بيتين من المتقارب للأعشى، والبيتان هما: فهل يمنعني ارتيادي البلاد ... من حذر الموت أن ياتين ومن شأني كاسفٍ وجهه ... إذا ما انتسبت له أنكرن وهما من قصيدة طويلة يمدح بها قيس بن معد يكرب الكندي في: "ديوانه" ص 15، "الحجة" لأبي علي 3/ 219، "الكتاب" 2/ 151 - 290.]] كذلك تشبه في إثبات الألف بالقوافي) [["الحجة" 5/ 469.]]. نحو قوله: أقلي اللوم عاذل والعتابا ... وقولي إن أصبت لقد أصابا [[البيت من الوافر، مطلع قصيدة لجرير في "ديوانه" 2/ 813، "خزانة الأدب" 1/ 69، "الخصائص" 2/ 106، "الكتاب" 4/ 205. والشاهد فيه: إجراء المنصوب المقرون بالألف واللام مجرى غير المقرون بها في ثبات الألف لوصل القافية؛ لأن المنون وغير المنون في القوافي سواء.]] قال أبو الفتح الموصلي: هذه الألف لإشباع الفتحة للقافية، وكذلك الواو لإشباع الضمة في القافية، والياء لإشباع الكسرة [[انظر: "سر صناعة الإعراب" 2/ 471، 677، 726.]]. فمن أثبت في الوقف دون الوصل، وهو اختيار أبي عبيد [[انظر: "البحر المحيط" 8/ 459، "تفسير القرطبي" 14/ 145. تقدم في سورة الأنفال.]] قال: العرب تثبت هذه الألفات في قوافي أشعارهم ومصاريفها؛ لأنها مواضع قطع وسكت، فتعمد الوقوف على هذه الألفات موافقة للخط، وإذا وصلت حذفت كما تحذف [[في (أ) جاء الكلام هكذا: كما تحذف [الكسر، فمن أثبت في الوقف دون الوصل دون الوصل] غيرها مما يثبت وهي زيادة خطأ.]] غيرها مما يثبت في الوقف، نحو التشديد الذي يلحق الحرف الموقوف عليه، قال أبو عبيد: وأكره أن يثبتها مع إدماج القراءة؛ لأنه خروج من العربية [[انظر: "تفسير القرطبي" 14/ 145.]] لما يعد هذا عندهم جائزًا في اضطرار ولا غيره، وأما من أثبت في الوصل فوجهه أنها في المصحف ثابتة، وإذا أثبتت [[في (ب): (أثبت).]] في الخط فينبغي [[في (ب): (ينبغي).]] ألا تحذف كما لا تحذف هاء الوقف من (حسابيه) (وكتابيه) وأن يجري مجرى الموقوف عليها كما يثبت ذلك في القوافي في الوصل، وهي لغة أهل الحجاز فيما حكاه أبو الحسن) [[إلى هنا من "الحجة" 5/ 470.]]. قال [[انظر قول الأخفش في: "الخصائص" 2/ 97، ولم أقف عليه في "معانيه".]]: إنهم يثبتون الألف والواو والياء التي تلحق القوافي في الوصل، ولا ينونون كما ينونون من وصل: أقلي اللوم عاذلي والعتابن. وإذا كان كذلك فثباتها في الفواصل كما ثبتت في القوافي حسن، وأما من طرحها في الحالين فإنه لم يعتد بها ولم يشبه [المنثور بالمنظوم] [[ما بين المعقوفين طمس في (ب).]] وفيه مخالفة لخط المصحف [[انظر: "تفسير الطبري" 21/ 132، "الحجة" 5/ 468، "الحجة في القراءات السبع" ص 289، "البحر المحيط" 8/ 458، "الدر المصون" 9/ 98.]].