الباحث القرآني

جديد: التفسير التفاعلي
وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا﴾. قال مقاتل والفراء: لو دخلت عليهم المدينة [["تفسير مقاتل" 89 أ، "معاني القرآن" للفراء 2/ 337.]]. وقال الزجاج: لو دخلت البيوت [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 220.]]. يعني: لو دخلها عليهم هؤلاء الذين يريدون القتال وهم الأحزاب من أقطارها من نواحيها، واحدها قطر، والقطر والفتر الجانب الواحد والناحية. قوله: ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ﴾ يعني: الشرك في قول جميع المفسرين [[انظر: "تفسير الطبري" 21/ 136، "معاني القرآن" للفراء 2/ 337، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 333، "زاد المسير" 6/ 361.]]. وقال الزجاج: أي قيل لهم: كونوا على المسلمين مظهرين الفتنة لفعلوا ذلك [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 220.]]. قال ابن عباس ومقاتل: يقول الله لو أن الأحزاب دخلوا المدينة ثم أمروهم بالشرك لأشركوا [[انظر: "مجمع البيان" للطبرسي 8/ 545. "تفسير ابن عباس" ص 351، "تفسير مقاتل" 89 أ.]]. وقال الكلبي [[لم أقف على قول الكلبي.]]: يقول لو دخل عليهم من أطراف المدينة الخيل والرجال، ثم دعوهم إلى الشرك بالله لأعطوا ذلك وهو قوله: ﴿لَآتَوْهَا﴾ أي: لما امتنعوا منها. وقرأ الحجازيون: لأتوها قصرًا أي: لفعلوها [[انظر: كتاب "الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها" 2/ 196.]]. قال الفراء: من قولك: أتيت الشيء إذا فعلته، تقول: أتيت الخير أي فعلت الخير، والمعنى: ثم سئلوا فعل الفتنة لفعلوها [[لم أقف على قول الفراء في معاني القرآن له، ولا فيما لدي من مراجع.]]. وقال الزجاج: من قرأ بالقصر كان المعنى لقصدوها [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 220.]]. والاختيار المد؛ لقوله: سئلوا، فالإعطاء مع السؤال حسن. قاله الفراء وأبو علي [["معاني القرآن" 2/ 337، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 472.]]. وقال أبو عبيد [[لم أقف على قول أبي عبيد.]] قد جاءت الآثار في الذين كانوا يفتنون بالتعذيب في الله أنهم أعطوا ما سألهم المشركون غير بلال، وليس في شيء من الحديث أنهم جاءوا ما سألوهم، ففي هذا اعتبار للمد. قال أهل المعاني: هذا إخبار عن ظهور فضيحتهم وعدم نصرتهم عند وقوع الشدة بإبداء المكتوم وإعطاء الفتنة وإظهار الردة [[انظر: "معاني القرآن" للنحاس 5/ 334، للفراء 2/ 337، للزجاج 4/ 220.]]. قوله: ﴿وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا﴾ قال ابن عباس: لم يلبثوا باعطاء الشرك إلا يسيرًا [[انظر: "مجمع البيان" 8/ 545، "تفسير ابن عباس" ص 351.]]. وقال مقاتل: وما أحسوا من الشرك إلا قليلاً حتى يعطوها طائعين [["تفسير مقاتل" 89أ.]]. وقال قتادة: وما أحبسوا من الإجابة إلى الكفر إلا قليلاً، وهذا قول أكثر المفسرين [[انظر: "تفسير الطبري" 11/ 136، "مجمع البيان" 8/ 545، "زاد المسير" 6/ 361.]]. وقال السدي: وما تلبثوا بها أي: بالمدينة إلا يسيرًا بعد إعطاء الكفر حتى يهلكوا [[انظر: "زاد المسير" 6/ 362، "تفسير القرطبي" 14/ 150.]]. وقال الحسن: وما أقاموا بالمدينة بعد إعطاء الكفر إلا قليلاً حتى يعذبوا. وهذا القول اختيار الفراء [["معاني القرآن" 2/ 337.]] وابن قتيبة [["غريب القرآن" ص 349. وانظر: "مجمع البيان" 8/ 545، "القرطبي" 14/ 150.]]. والكناية في (بها) على القول الأول تعود إلى الفتنة، يقال: تلبث بالشيء تربص به إذا آخره ومنعه. وعلى القول الثاني يعود إلى المدينة، وهي مذكورة في قوله: ﴿يَا أَهْلَ يَثْرِبَ﴾. وروى عطاء عن ابن عباس قولًا ثالثًا فقال: يريد لم يقيموا مع النبي -ﷺ- في حرب ولا دين [[لم أقف عليه.]]. وعلى هذا قوله: ﴿وَمَا تَلَبَّثُوا﴾ ابتداء إخبار عنهم أنهم لم يقيموا هناك، ورجعوا إلى بيوتهم وليس عطفًا على ما قبله، والكناية في (بها) تعود إلى غير مذكور على تقدير: وما تلبثوا بالمعركة، وبالمقامة [[في (ب): (ولا بالمقامة).]]، وهذا أضعف الأقوال. وذكر أبو علي هذه الآية في "المسائل الحلبية" فقال: (من قرأ: لآتوها بالمد فلمكان المسألة، كأنه لو سئلوا لأعطوها ولأتوها من الإتيان حسن؛ لأن قوله: ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ دليل على أنهم يسألون النبي -ﷺ- ترك الإتيان والوقوف معه، فكان المعنى: ويستأذن فريق منهم النبي في أن لا يأتوه لاشتغالهم بحفظ بيوتهم المعورة في زعمهم. ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا﴾ أي: لو بلغت البيوت في أعوارها أن دخل عليهم من جوانبها كلها لفرط عوارها، ثم سئلوا معونة العدو على المسلمين، لأتوها وأسرعوا إليها ولم يعتلوا عليهم بأن بيوتهم معورة كما اعتلوا به في تأخرهم عن النبي -ﷺ- والمسلمين ونصرهم، فالمعنى: يستأذنون النبي في أن يقعدوا عنه ولم يأتوه، وهم يأتون العدو لينصروهم ويعينوهم على المسلمين لو سألوهم، فالقراءة بالقصر أشكل بما قبله وما بعده [[(ما) ساقطة من (أ).]]. ألا ترى أن بعدها: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. ومن قرأ بالمد فهو راجع إلى هذا؛ لأن إعطاء الفتنة هو راجع إلى هذا؛ لأن إعطاءهم الفتنة معونتهم على المسلمين وإتيانهم العدو ناصرين [[في (ب): (قاصدين).]]. فأتوها بالقصر أشد إبانة للمعنى المراد بهذه الآية، فالمعنى قريب من قوله: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾ أي: في نصرتهم وهذا مثل قوله: ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا﴾ لأن في الموضعين دلالة على المعونة على المسلمين وعلى أنهم غير مسافلين [[هكذا في النسخ! وهو خطأ، والصواب: متثاقلين.]]. وقوله: ﴿نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ يقرب من قوله: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ لآية، إلا أنهم في هذه الآية كأنهم أشد يأسًا من [[هكذا هي في جميع النسخ! وفي "المسائل الحلبيات" في.]] النصرة لقطعهم على أن ما وعد الله والرسول به غرور، ويجتمعان في الإخبار عنهم بأن قلوبهم لم تثلج بالإيمان ولم تسكن إلى قول الرسول والإيمان والقرآن وما اجترءوا [[هكذا في جميع النسخ! وفي "المسائل الحلبيات": (ما أخبروا به)، وهو الصواب.]] به من الظفر ووعدوا به من الفتح والنصر في قوله: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: 33، الفتح: 28، الصف: 9]) [["المسائل الحلبيات" ص 360 - 362 مع اختلاف يسير في العبارة.]]، وقوله: ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: 56]، وقوله: ﴿وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا﴾ أي: تلبثوا بدورهم إلا زمانًا قليلًا حتى يأتوا العدو ناصرين لهم عليكم، ويجوز أن يكون المعنى: لو أتوا العدو ناصرين لهم ومظهرين ما هم مبطنون لاستؤصلوا بالسيوف ويغلبوا كما غلب العدو، ونزل بهم من العذاب ما يهلكهم إذا باينوكم في الدار. ثم ذكرهم الله تعالى عهدهم مع النبي -ﷺ- بالثبات في المواطن فقال: