الباحث القرآني

وَلَمَّا رَءَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلۡأَحۡزَابَ قَالُوا۟ هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَصَدَقَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥۚ وَمَا زَادَهُمۡ إِلَّاۤ إِیمَـٰنࣰا وَتَسۡلِیمࣰا
ثم ذكر المؤمنين ووصف حالهم بقوله: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ﴾ يعني: أبا سفيان وأصحابه. ﴿قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ قال قتادة ومقاتل: كان الله وعدهم في ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ إلى قوله ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: 214]. فأخبرهم بما سيكون من الشدة التي تلحقهم من عدوهم، فلما رأوا يوم الأحزاب ما أصابهم من الشدة والبلاء قالوا: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ وتصديقًا بوعد الله وتسليمًا لأمره [[في" تفسير مقاتل" 90 ب، وذكره الماوردي 4/ 388، والطبري 21/ 144 عن قتادة، وزاد الطبري نسبة هذا القول لابن عباس.]]. ومعنى التسليم هاهنا أن يسلم الأمر لمالكه من غير إعراض فيه، وهو أن يدعه له سالمًا لا يدعي لنفسه فيه شيئاً، ولعل هذا فيما سبق البيان فيه. قال أبو إسحاق في هذه الآية: وصف الله تعالى حال المنافقين في حرب الكافرين وحال المؤمنين، وصف المنافقين بالفشل والجبن والروغان والمسارعة إلى الفتنة، ووصف المؤمنين بالثبوت عند الخوف [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 222.]]. والتصديق بما وعد الله ورسوله من النصر عند شدة الأمر، وذلك أنهم لما [[في (ب): (كما).]] زلزلوا زلزالًا شديدًا أعلموا أن النصر وجب له [[هكذا في جميع النسخ! ولعل الصواب: لهم.]]؛ لأن الله كان قد أنزل عليهم في الآية التي وصف بها ما أصاب أصحاب الأنبياء قبلهم من الشدة قوله: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: 214]. هذا معنى ما ذكره وبعض لفظه. قال الفراء: كان النبي -ﷺ- أخبر أصحابه بمسير الأحزاب إليهم فذلك قوله: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا﴾ أي ما زادهم النظر إلى الأحزاب إلا إيمانًا، قال: ولو كان ما زادوهم إلا إيمانًا يريد الأحزاب كان جائزًا كما قال في سورة أخرى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ [التوبة: 47] ولو كانت ما زادكم إلا خبالا كان [[في (ب): (لكان)، وهو خطأ.]] صوابًا، يريد ما آذاكم خروجهم، وهذا من سعة العربية [["معاني القرآن" 2/ 340 مع اختلاف في العبارة.]]. وهذا الذي ذكره الفراء هو قول الكلبي، قال: إن النبي -ﷺ- قال لأصحابه: إن الأحزاب قد خرجوا إليكم وهم سائرون إليكم تسعًا تسعًا أو عشرًا، فلما رأوهم قد قدموا للميعاد قال المؤمنون: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ للميعاد وذلك لعدة الأيام التي قال لهم [[لم أجد من نسب هذا القول للكلبي، وقد ذكره أبو حيان في "البحر المحيط" 7/ 216، ونسبه لابن عباس، وكذلك هو في "تفسير ابن عباس" ص 352.]]. وقال المبرد [[لم أقف عليه.]]: وفي قوله: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا﴾ أي ما زادهم رؤيتهم إلا إيمانًا لدلالة الفعل عليه، وهو قول أي المؤمنين ومثله كثير: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ﴾ [آل عمران: 180] أي البخل، يكنى عن المصدر لدلالة الفعل عليه.