الباحث القرآني

جديد: مقرئ المتون
مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا
قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ قال مقاتل: المعنى ليلة العقبة [[انظر: "تفسير مقاتل" 990 ب.]]. قال أبو إسحاق: موضع (ما) نصب بصدقوا كما تقول صدقتك الحديث، والمعنى: عاهدوا على الإسلام فأقاموا على عهدهم [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 222.]] بخلاف من كذب في عهده، وخان الرسول بقلبه وهم المنافقون. ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ النَّحْب في اللغة هو: النذر [[في النسخ: (البدر)، وهو خطأ، إذ الصحيح النذر، فليس من معاني نَحْب بدر كما ذكر أهل اللغة.]]، والنحب: الموت، والنخب: الخطر العظيم، قال جرير [[في النسخ: (حرب) وهو خطأ، والصواب جرير، كما في "ديوانه" ص 632، "تهذيب اللغة" 5/ 115، "اللسان" 1/ 750 (نحب)، "مجاز القرآن" 2/ 135.]]: بطفخة جالدنا الملوك وخيلنا ... عشية بسطام جرين على نحب أي: على خطر عظيم، ويقال: سافر فلان على نحب أي: سار واجتهد في السير، ومنه يقال [[في (ب): (قول).]]: نحب القوم إذا جدوا في عملهم، وسار سيرًا منحباً قاصدًا لا يريد غيره، كأنه جعل ذلك نذرًا على نفسه لا يريد غيره، قال الكميت: يحدن لها عرض الفلاة وطولها ... كما سار عن يمنى يديه المنحب [[البيت من الطويل، وهو للكميت بن زيد في "ديوانه" 1/ 96، "تهذيب اللغة" 5/ 116، "اللسان" 1/ 751، "تاج العروس" 4/ 245. ومعنى البيت كما فسره ثعلب كما في "تاج العروس" 4/ 245: هذا الرجل حلف إن لم أغلب قطعت يدي، كأنه ذهب به إلى معنى النذر- يعني النحب.]] أي يقول: إن لم أبلغ مكان كذا ذلك يميني، وقال لبيد: ألا تسألان المرء ماذا يحاول ... أنحب فيقضي أم ضلال وباطل [[البيت من الطويل، وهو للبيد بن ربيعة في "ديوانه" ص 254، "خزانة الأدب" 2/ 252 - 253، 6/ 145، "الكتاب" 2/ 417، "اللسان" 1/ 751 (نحب).]] يقول: عليه نذر في طول سيره، هذا كلام الأزهري في تفسير النحب [["تهذيب اللغة" 5/ 115 (نحب) مع اختلاف يسير في العبارة.]]. وقال الفراء: قضى نحبه أي أجله [["معاني القرآن" 2/ 240.]]. ونحو ذلك قال الزجاج [["معانىِ القرآن وإعرابه" 4/ 222.]]. وقال أبو عبيدة: قضى نحبه أي مات، والنحب النفس، وأنشد قول ذي الرمة: عشية فر الحارثيون بعد ما ... قضى نحبه في ملتقى الخيل هوبر [["مجاز القرآن" 2/ 135.]] [[البيت من الطويل، وهو لذي الرمة في "ديوانه" 2/ 647، "خزانة الأدب" 4/ 371، "لسان العرب" 5/ 248 (هبر)، وأراد بهوبر ابن هوبر، وهو رجل.]] قال المفسرون: هذا في حمزة وأصحابه الذين قتلوا بأحد [[انظر: "تفسير مقاتل" 90 ب، البغوي 3/ 519، "مجمع البيان" 8/ 549.]]. قال ابن عباس: ممن قضى نحبه حمزة بن عبد المطلب ومن قتل معه، وأنس بن النضر [[هو: أنس بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن النجار الخزرجي الأنصاري، عم أنس بن مالك خادم رسول الله -ﷺ-، غاب عن قتال بدر فأقسم إن شهد قتالًا لا يفر منه فحضر أحدًا، فلما انهزم المسلمون قال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع هؤلاء، فقاتل حتى قتل شهيدًا -رضي الله عنه-. انظر: "الاستيعاب بهامش الإصابة" 1/ 43، "الإصابة" 1/ 86، "أسد الغابة" 1/ 131.]] وأصحابه. روى حميد عن أنس قال: غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر، وشق عليه لما قدم، وقال [غبت] [[طمس في كل النسخ، والتصحيح من "تفسير الثعلبي" 3/ 191 ب.]] عن أول مشهد شهده رسول الله -ﷺ-، والله لئن أشهدني قتالا ليرين ما أصنع، فلما كان يوم أحد انكشف المسلمون فقال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع هؤلاء ومشى بسيفه فقاتل حتى قتل. قال أنس: فوجدناه بين القتلى به بضع وثمانون جراحة، فما عرفناه حتى عرفته أخته بثناياه، ونزلت هذه الآية: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا﴾. قال: وكنا نقول: أنزلت هذه الآية فيه وفي أصحابه [["تفسير الثعلبي" 3/ 191 ب، "تفسير الطبري" 21/ 147. وأخرجه البخاري في "صحيحه" كتاب التفسير، باب ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ 4/ 1795 رقم 4505، والترمذي في التفسير، سورة الأحزاب 5/ 28، وقال: هذا حديث حسن صحيح.]]. وقال مقاتل: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ يعني: أجله مات أو قتل على الوفاء، يعني حمزة وأصحابه [["تفسير مقاتل" 90 ب.]]. وقال الليث: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ قتلوا في سبيل الله فأدركوا ما تمنوا فذلك قضاء النحب [[انظر: "تهذيب اللغة" 5/ 115 (نحب)، وذكره صاحب "تاج العروس" 4/ 243 غير منسوب لأحد.]]. وقال محمد بن إسحاق: فرغ من عمله ورجع إلى ربه يعني: من استشهد يوم أحد [[انظر: "تفسير الطبري" 21/ 145، "تهذيب اللغة" 5/ 116 (نحب)، و"اللسان" 1/ 750 (نحب).]]. وقال الحسن: قضى أجله على الوفاء والصدق [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 114، "مجمع البيان" 8/ 549.]]. وقال مجاهد: قضى عهده بقتل أو بصدق في لقائه [[انظر: "الطبري" 21/ 146، "البحر المحيط" 7/ 217، "تفسير مجاهد" ص 517.]]. وروى عكرمة عن ابن عباس: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ قال: الموت [[انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 389، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 338.]]. وقال المبرد: النحب في كلامهم الخطر الذي يخطر به، فيقال على ذلك للذي عزم عزمًا فمضى عليه حتى مات قضى نحبه أي: أخطر به [[لم أفف عليه. وانظر: "الدر المصون" 5/ 411.]]. وقال ابن قتيبة: قضى نحبه أي قتل، وأصل النحب النذر، كان قومًا نذروا أن يلقوا [[هكذا في النسخ، وفي "تفسير غريب القرآن": إن لقوا، وهو المناسب للسياق.]] العدو وأن يقاتلوا حتى يقتلوا أو يفتح الله، فقتلوا فقيل: فلان قضى نحبه إذا قتل [["تفسير غريب للقرآن" ص 349.]]. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ أجله على الوفاء. قال مجاهد: ينتظر يومًا في جهاد فيقضى عهده فيقتل [[انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 390، "تفسير الطبري" 21/ 145.]]. وقال مقاتل: من المؤمنين من ينتظر أجله بالوفاء بالعهد [[انظر: "تفسير مقاتل" 90 ب.]]. ﴿وَمَا بَدَّلُوا﴾ العهد ﴿تَبْدِيلًا﴾ كما بدل المنافقون، والمعنى: ما غيروا العهد الذي عاهدوا ربهم كما غير المنافقون.