الباحث القرآني

جديد: مقرئ المتون
يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا
﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾. قال مقاتل: يعني العصيان البين [["تفسير مقاتل" 91 أ.]]. وقال ابن عباس: يعني النشوز وسوء الخلق [[انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 397، "زاد المسير" 6/ 379، "البغوي" 3/ 527.]]. ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ قال مقاتل: يضاعف لها العذاب في الآخرة [["تفسير مقاتل" 91 أ.]]. وقال أبو عبيدة في "تفسيره" تضعيف العذاب: يجعل الواحد ثلاثة أي: يعذب ثلاثة أعذبة. قال: وكان عليها أن تعذب مرة فإذا ضوعف ضعفين صار العذاب ثلاثة أعذبة؛ لأن ضعف الشيء مثله وضعفيه مثلًا واحده [["مجاز القرآن" 2/ 136 مع اختلاف في العبارة.]]. قال الزجاج: وليس هذا بشيء؛ لأن معنى يضاعف يجعل عذاب جرمها كعذاب جرمين. الدليل عليه قوله: ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾، فلا يكون أن تعطى على الطاعة أجرين وعلى المعصية ثلاث أعذبة [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 226.]]. وقال الأزهري: الذي قاله أبو عبيدة هو ما يستعمله الناس في مجاز كلامهم وما يتعارفونه في خطابهم، وقد قال الشافعي ما يقارب قوله في رجل أوصى فقال: أعطوا فلانًا ضعف ما يصيب ولدي. قال: يعطى مثله مرتين، ولو قال ضعفي ما يصيب ولدي نظرت فإن أصابه مائة أعطيته ثلاثمائة. قال: وقد قال الفراء [[في جميع النسخ: (القراة)، والصحيح: الفراء، كما في "تهذيب اللغة" 1/ 480.]] شبيها بقولهما في قول الله تعالى: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ [آل عمران: 13] قال الأزهري: والوصايا يستعمل العرف [[في النسخ: (العرب) والصواب: العرف، كما في "تهذيب اللغة"، وهنا سقط حرف ولذلك فالكلام موهم، وهو في "تهذيب اللغة": يستعمل فيها العرف.]] الذي يتعارفه المخاطب والمخاطب، وما يسبق إلى الأفهام فيما يذهب الوهم إليه، فأما كلام الله -عز وجل- فهو عربي مبين، ويرد تفسيره إلى موضع كلام العرب، ولا يستعمل فيه العرف إذا خالف اللغة، والضعف في كلام العرب: المثل ما زاد [[في "تهذيب اللغة": المثل إلى ما زاد، سقطت كلمة (إلى)، "تهذيب اللغة" 1/ 480.]] وليس مقصورًا على مثلين فيكون ما قاله [[المقصود به أبو عبيدة، كذا قال الأزهري.]] صوابًا، يقال: هذا ضعف هذا أي مثله، وهذا ضعفاه أي مثلاه وثلاثة أمثاله؛ لأن الضعف في الأصل ثلاثة [[في "تهذيب اللغة" (زيادة) بدل ثلاثة.]] غير محصورة، ألا ترى إلى قوله: ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ﴾ [سبأ: 37] ولم يرد به مثلا ولا مثلين، ولكنه أراد بالضعف الأضعاف، وأولى الأشياء به أن يجعل عشرة أمثاله؛ لقوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: 160] فأقل الضعف محصور، وهو المثل وأكثره غير محصور وأما قوله تعالى: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ فإذا سياق الآية التي بعدها دل على أن المراد من قوله ضعفين مثلين ألا تراه يقول بعد ذكر العذاب: ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ فإذا جعل الله لأمهات المؤمنين من الأجر مثلي ما لغيرهن تفضيلًا لهن على سائر نساء الأمة، فكذلك إذا أتت إحداهن بفاحشة عذبت مثلي ما يعذب غيرها، ولا يجوز أن تعطى على الطاعة أجرين، وتعذب على المعصية ثلاثة أعذبة، وإذا قال الرجل لصاحبه: إن أعطيتني درهما كافأتك بضعفين فمعناه بدرهمين [["تهذيب اللغة" 1/ 480 (ضعف)، مع اختلاف في العبارة واختصار.]]، ونحو هذا قال ابن قتيبة في الإنكار على أبي عبيدة [["تفسير غريب القرآن" ص 350.]]. وقال أبو علي الفارسي: (معنى ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ زيد في عذابها ضعف كما زيد في ثوابها ضعف في قوله: ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ فكما ضوعف الأجر، كذلك ضوعف العقوبة والعذاب. ووجه تضعيف العذاب لهن على الفاحشة هو أنهن لما شاهدن من الزواجر وما يروع الذنوب ينبغي أن يمتنعن منها أكثر مما يمتنع مما لا يشاهد ذلك ولا يحضره، فإذا لم يمتنعن استحققن تضعيف العذاب، والضمير في قوله: ﴿لَهَا﴾ يعود على معنى من دون لفظه ولو عاد على لفظ من الذكر [[الألف زائدة فالكلام في "الحجة": على لفظ من الذكر، وهو الصواب.]]) [["الحجة" 5/ 473.]]. قوله تعالى: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ يقول: كان عذابها على الله هينا. وقال الربيع بن أنس: في هذه الآية أن الحجة على الأنبياء أشد منها على الأتباع في الخطيئة، وأن الحجة على العلماء أشد منها على غيرهم، وأن الحجة على نساء النبي -ﷺ- أشد منها على غيرهن [["تفسير ابن أبي حاتم" 29/ 3129.]].