الباحث القرآني

وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا
وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾. قال المفسرون [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 200 أ، "تفسير الطبري" 22/ 11، "تفسير الماوردي" 4/ 404، "السمرقندي" 3/ 51.]]: نزلت في عبد الله بن جحش وأخته زينب، وكانا ابني عمة النبي -ﷺ-، فخطب النبي -ﷺ- زينب لزيد بن حارثة مولاه، وهي تظن أنه يخطبها لنفسه، فلما علمت أنه يخطبها لزيد كرهت ذلك وكذلك أخوها، فلما نزلت الآية رضيا وسلما، فزوجها رسول الله -ﷺ- من زيد. وقوله ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ﴾ يعني: عبد الله بن جحش. ﴿وَلَا مُؤْمِنَةٍ﴾ يعني: أخته زينب، ﴿إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا﴾ حكماً بذلك، ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُمُ﴾ جمعت الكناية لأن المراد بقوله: ﴿لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ﴾ كل مؤمن ومؤمنة في الدنيا. والخيرة: الاختيار، وذكرنا تفسيرهما [فيما تقدم] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ).]] في سورة القصص [[عند الآية 68، قال هناك: والخيرة اسم من الاختيار يقام مقام المصدر، والخيرة اسم للمختار، يقال: محمد خيرة الله من خلقه.]]. قال أبو إسحاق: أعلم الله أنه لا اختيار على ما قضى الله ورسوله [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 228.]]. وهذه الآية دليل على أن كل امرأة أراد رسول الله أن يزوجها من رجل، لم يكن لها أن تمتنع ولا لوليها، وأن رسول الله أولى بتزويجها من وليها كما ذلك في قوله: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: 6] الآية. ولأنه أيضًا دليل على أن كل حكم ثبت عن رسول الله -ﷺ- فهو كما ثبت عن الله، فليس لأحد اختيار ولا استحسان مع قضاء الله ورسوله، وليس إلا الاقتداء والتسليم. قال أبو علي: وهذه الآية تدل على أن (ما) في قوله: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص: 68] (ما) فيها نفي، وليست بموصولة، ألا ترى أنه نفى الاختيار على العباد في هذه الآية، كذلك في تلك [["الحجة" 5/ 476.]]. قال مقاتل: فلما زوجها رسول الله -ﷺ- زيدًا مكثت عنده حينًا، ثم إن النبي -ﷺ- أتى زيدًا فأبصر زينب قائمة، وكانت بيضاء جميلة من أتم نساء قريش، فهواها النبي -ﷺ- فقال: "سبحان الله مقلب القلوب". ففطن زيد فقال: يا رسول الله ائذن لي في طلاقها، فإن فيها كبرًا يعظم علي، وتؤذيني بلسانها، فقال له النبي -ﷺ-: "أمسك عليك زوجك واتق الله" [[انظر: "تفسير مقاتل" 92 ب.]]. وقال ابن عباس: إن زيدًا حين تزوج زينب أقامت عنده ما شاء الله أن تقيم، فأتى رسول الله -ﷺ- إلى منزل زيد يطلبه، فبعث الله ريحًا حتى رفعت الستر وزينب منفصلة على منزلها، فرأى رسول الله -ﷺ- زينب فوقعت في نفس النبي -ﷺ-، فأتى زيد فأخبرته، فوقع في نفس زيد أن يطلقها، وأقام زيد لا ينشر عليها من يومئذ، وكان زيد يرى رسول الله -ﷺ- فيقول: إني أريد أن أطلق زينب. والنبي -ﷺ- يقول: "أمسك عليك زوجك واتق الله". [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 200 ب، "تفسير السمرقندي" 3/ 51، "تفسير البغوي" 3/ 530.]] وقال مقاتل بن حيان: قالت زينب لما نزل قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ﴾ الآية: أمري بيدك يا رسول الله، فأنكحها رسول الله زيدًا ودخل بها، فلم تمكث إلا يسيرًا حتى شكى إلى النبي -ﷺ- ما يلقى منها، وكانت امرأة لسنة، فدخل عليها النبي -ﷺ- وأمرها بتقوى الله والسمع والطاعة لزيد فلما كلمها أعجبه حسنها وجمالها وظرفها لأمر أراده الله -عز وجل- وخرج من عندها وفي نفسه ما شاء الله منها، وجاء زيد إلى النبي -ﷺ- يشكوها فقال له: "اتق الله وأمسك عليك زوجك". ويقول زيد: إني أريد أن أطلقها وأستريح منها، وأكره أن تكون معي في بيت مما ألقى منها من البلاء والشدة. ويقول النبي: "اتق الله لا تطلقها" وفي قلبه غير ذلك [[لم أقف على قول مقاتل بن حيان.]]، فأنزل الله تعالى قوله تعالى: