الباحث القرآني

جديد: التفسير التفاعليالقارئكلمة
وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ ۖ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا ۚ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا
﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ أي: الهداية للإسلام. ﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ بأن أعتقته من الرق قاله جميع المفسرين، قالوا: وكان زيد من سبي الجاهلية، فاشتراه رسول الله -ﷺ- بعكاظ في الجاهلية وأعتقه وتبناه [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 250 ب، "تفسير السمرقندي" 3/ 52، "الدر المنثور" 6/ 616 وعزاه لعبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة.]]، ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ في أمرها فلا تطلقها. قال أبو إسحاق: (أمره بالتمسك بزينب وكان يحب أن يتزوجها، إلا أنه أمره بما يجب من الأمر بالمعروف، فقال: "أمسك عليك زوجك واتق الله" [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 229.]]. ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ﴾، وتستر وتضمر في قلبك من إرادة تزوجها، قاله الكلبي [[انظر: "تفسير هود بن محكم" 3/ 370.]]: وقال قتادة: ود أنه طلقها [[انظر: "معاني القرآن" للنحاس 5/ 351، "زاد المسير" 6/ 388.]]، ﴿مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾، قال ابن عباس: مظهره لاْصحابك وغيرهم [[لم أقف عليه عن ابن عباس، وذكره هود بن محكم في "تفسيره" 3/ 370 ولم ينسبه.]]. وقال مقاتل: مظهره عليك حين ينزل به قرآنًا [[انظر: "تفسير مقاتل" 92 ب.]]، والمعنى: أن النبي -ﷺ- كتم حبها، وأراد تزوجها، وأمر زيدًا بإمساكها وفي قلبه خلاف ذلك، فأظهر الله عليه ما أخفاه بأن قضى طلاقها وزوجها منه، وأنزل في ذلك القرآن، ولهذا قال عمر وابن مسعود وعائشة والحسن: ما نزلت علي رسول الله آية هي أشد عليه من هذه الآية. قالت عائشة: لو كتم النبي -ﷺ- شيئًا من الوحي لكتم هذه الآية [[أخرجه البخاري في كتاب: التوحيد، باب: وكان عرشه على الماء 6/ 2699، رقم الحديث 6985، عن أنس، ومسلم في كتاب: الإيمان، باب في قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ 1/ 160، رقم الحديث 288 عن عائشة.]]: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾. وقوله: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ﴾ قال مقاتل: تكره قالة الناس في أمر زينب [[انظر: "تفسير مقاتل" 92/ ب.]]. يعني: تخاف لائمتهم أن يقولوا: أمر رجلاً بطلاق امرأته ثم نكحها حين طلقها، وكان النبي -ﷺ- يريد أن يصوب رأي زيد في طلاقها من حيث ميل النفس وهوى القلب، ولكنه خاف قالة الناس فذلك قوله: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ﴾، وقيل: الخشية هاهنا بمعنى الاستحياء، يعني تستحي من الناس أن تأمر رجلاً بطلاق زوجته ثم تتزوجها. والاستحياء قول ابن عباس والحسن والفراء [[انظر: "تفسير البغوي" 3/ 531، "معاني القرآن" للفراء 2/ 343.]]. وقال عطاء عن ابن عباس: والمراد بالناس هاهنا اليهود، وكانوا يعيبون المؤمنين فخشي النبي -ﷺ- في تزوجها أن يقولوا تزوج محمد امرأة ابنه [[انظر: "زاد المسير" 6/ 387.]]. وقوله: ﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾. وقال ابن عباس: يريد [..] [[في جميع النسخ قدر كلمة غير واضحة، ولعلها: تخشاه.]] وتخافه [[لم أقف عليه]]. وروي عن علي بن الحسين أنه قال في هذه الآية: كان الله -عز وجل- قد أعلم نبيه أن زينب ستكون من أزواجه، وأن زيدًا سيطلقها [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 201 أ، "تفسير البغوي" 3/ 532. "مجمع البيان" 8/ 564.]]. وعلى هذا جوز أن يكون النبي -ﷺ- معاتبًا [[في (أ): (بناها).]] على قوله: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ مع علمه بأنها ستكون زوجته، وكتمانه ما أخبره الله به، ويكون قوله: ﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ في كتمان ما أخبرك به وإنما كتم النبي -ﷺ- ذلك؛ لأنه استحيا واستبشع أن يقول: إن زوجتك ستكون امرأتي [[هذه الروايات التي أوردها المؤلف رحمه الله من أن زينب رضي الله عنها وقعت في قلب النبي -ﷺ-، وأنه أحبها وتمنى تطليق زيد لها، أو أنه قال حين رآها: "سبحان مصرف القلوب". أقول: كل ذلك مما ينبغي أن ينزه عنه المصطف -ﷺ-، فزينب ابنة عمته وكان يعرفها قبل أن يزوجها من زيد. يقول: القشيري فيما نقله عنه القاضي عياض في "الشفا في التعريف بحقوق المصطفى" 2/ 880: وهذا إقدام عظيم من قائله وقلة معرفة بحق النبي -ﷺ- وبفضله. ثم قال القاضي عياض: وكيف يقال: رآها فأعجبته وهي بنت عمته ولم يزل يراها منذ ولدت؟ ولا كان النساء يحتجبن منه -ﷺ- وهو زوجها لزيد، وإنما جعل الله == طلاق زيد لها وتزويج النبي -ﷺ- إياها لإزالة حرمة التبني وإبطال سنته كما قال: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ وقال: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ أهـ. انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 99 ب، "تفسير البغوي" 3/ 530، 672. وقال الحافظ ابن حجر في "الفتح" بعد أن ذكر هذه الأقوال: وقد أخرج ابن أبي حاتم هذه القصة من طريق السدي فساقها سياقًا واضحًا حسنًا ولفظه: بلغنا أن هذه الآية نزلت في زينب بنت جحش وكانت أمها أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله -ﷺ-، وكان رسول الله -ﷺ- أراد أن يزوجها زيد بن حارثة مولاه فكرهت ذلك، ثم إنها رضيت بما صنع رسول الله -ﷺ- فزوجها إياه، ثم أعلم الله نبيه -ﷺ- بعد أنها من أزواجه، فكان يستحي أن يأمر بطلاقها، وكان لا يزال يكون بين زيد وزينب ما يكون من الناس، فأمره رسول الله -ﷺ- أن يمسك عليه زوجه، وأن يتقي الله، وكان يخشى الناس أن يعيبوا عليه ويقولوا: تزوج امرأة ابنه وكان قد تبني زيدًا قال: بعد أن ذكر بعض الروايات التي استحسنها بعض العلماء، قال عن هذه الرواية وسندها: وهو أوضح سياقًا وأصح إسنادًا. ثم قال: وقد وردت آثار أخرى أخرجها ابن أبي حاتم والطبري، ونقلها كثير من المفسرين لا ينبغي التشاغل بها، والذي أوردته منها هو المعتمد، والحاصل أن الذي كان يخفيه النبي -ﷺ- هو إخبار الله إياه أنها ستصير زوجته، والذي كان يحمله على إخفاء ذلك خشية قول الناس تزوج امرأة ابنه، وأراد الله إبطال ما كان أهل الجاهلية عليه من أحكام التبني بأمر لا أبلغ في الإبطال منه، وهو تزوج امرأة الذي يدعى ابنا، ووقوع ذلك من إمام المسلمين؛ ليكون أدعى لقبولهم، وإنما وقع الخبط في تأويل معلق الخشية والله أعلم. أ. هـ. وللوقوف على كلام أهل العلم أكثر مما أثبته حول هذه القصة انظر: "الشفا" لعياض 2/ 880 وما بعدها، "فتح الباري" 8/ 671 وما بعدها، "محاسن التأويل" للقاسمي 8/ 266 وما بعدها، "أضواء البيان" 6/ 580 وما بعدها.]]. قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ قال الليث: الوطر: كل حاجة كان لصاحبها فيها همة، ولم أسمع لها فعلا، وجمعه أوطار [[انظر: "تهذيب اللغة" 14/ 10 (وطر).]]. وقال أبو عبيدة: الوطر كالأرب، وأنشد للربيع بن ضبع: [[هو: الربيع بن ضبع بن وهب بن بغيض الفزاري الذبياني، شاعر جاهلي معمر من الفرسان، أدرك النبي -ﷺ- ولم يلقه كان أحكم العرب في زمانه ومن أشعرهم وأخطبهم، قيل: إنه عاش أكثر من مائتي عام. انظر: "سمط اللآلي" ص 802، "الخزانة"، "تفسير ابن عباس" ص 383، "الأعلام" 3/ 15.]] ودعني قبل أن أودعه ... لما قضى من شبابها الوطرا [[البيت من المنسرح وهو للربيع بن ضبع في "الكتاب" 1/ 89، "لسان العرب" 13/ 259 ضمن، "أمالي المرتضى" 1/ 255.]] وقال المبرد [[انظر: "الدر المصون" 9/ 126، "روح المعاني" 22/ 25.]]: الوطر الشهوة والمحبة، يقال: ما قضيت من لقائك وطرًا، أي ما استمتعت بك حتى تنتهى، وأنشد: وكيف ثوائي بالمدينة بعد ما ... قضى وطرا منها جميل من معمر [[البيت من الطويل، ولم أهتد إلى قائله، وهو في "الكامل" 1/ 397، "الدر المصون"، "البحر المحيط" 3/ 211، غير منسوب.]] قال ابن عباس في قوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ أي لذته ونهمته [[لم أقف عليه.]]. وقال مقاتل: يعني الجماع [[انظر: "تفسير مقاتل" 93 أ.]]. وقال مقاتل: يعني حاجة وطلقها [[لم أقف عليه عن مقاتل، وانظر: "تفسير هود بن محكم" 3/ 371.]]. وقال قتادة: طلقها [[انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 406، "تفسير القرطبي" 14/ 194.]]. ومعنى قضى الوطر في اللغة: بلوغ منتهى ما في النفس من الشيء، فمعنى قضى وطرًا منها بلغ ما أراد من حاجته فيها. ويجوز أن يكون عبارة عن الطلاق، فإن الرجل إنما يطلق امرأته إذا لم يبق له فيها حاجة، فيقول: قضيت وطري منها، أي خليتها حيث لم يبق له فيها مراد، فيجوز أن يكون المراد بهذا اللفظ الطلاق مع بلوغ المراد منها، ويجوز أن يكون عبارة عن بلوغ المراد من نكاحها ثم يضمر الطلاق، ودل عليه [[في (أ): (وقوله)، زيادة واو وهو خطأ.]] قوله: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾؛ لأن تزويجها من النبي -ﷺ- يوجب طلاق زيد إياها، وقد قال المفسرون [["تفسير ابن أبي حاتم" 9/ 3135، "تفسير البغوي" 3/ 532، وأورده السيوطي في "الدر" 6/ 612، وزاد نسبته لابن سعد وأحمد وأبي يعلى والطبراني وابن مردويه عن أنس.]]: طلقها زيد فلما انقضت عدتها تزوجها النبي -ﷺ-. وروى ثابت عن أنس قال: لما انقضت عدة زينب قال رسول الله -ﷺ-: "اذهب فاذكرها علي". قال: فانطلقت فقلت يا زينب أبشري، أرسلني رسول الله -ﷺ- يذكرك، ونزل القرآن، وجاء رسول الله -ﷺ- حتى دخل عليها بغير إذن [[أخرجه الإمام مسلم في النكاح، باب زواج زينب بنت جحش ونزول الحجاب 2/ 1048 رقم (1428)، وأخرجه الإمام أحمد 3/ 195 عن ثابت عن أنس، والنسائي في "سننه" كتاب: النكاح، باب: صلاة المرأة إذا خطبت واستخارتها 6/ 79 عن ثابت عن أنس. وأورد السيوطي في "الدر" 6/ 612 وعزاه لابن سعد وأحمد والنسائي وأبي يعلى وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن أنس.]]. قال أصحابنا: وهذه الآية دليل على أن كل امرأة أراد رسول الله نكاحها فهو مستغن عن الولي والشهود، وذلك أنه لما نزل قوله ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ دخل عليها رسول الله -ﷺ-، ولهذا كانت زينب تفاخر نساء النبي -ﷺ- وتقول: زوجكن أقاربكن وزوجني الله -عز وجل- [[أخرجه البخاري في التوحيد، باب: وكان عرشه على الماء 6/ 2699 رقم الحديث (6984، 6985)، وأخرج الترمذي في "سننه" كتاب التفسير، تفسير سورة الأحزاب 5/ 33 رقم الحديث (3265)، وقال: هذا حديث حسن صحيح.]]. وذكر قضاء الوطر هنا بيانًا أن امرأة المتبنى تحل وإن وطئها المتبنى وهو قوله [[(يقوله) مكررة في (أ).]]: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾، أي: زوجناك زينب وهي امرأة زيد الذي تبنيته لكي [[هكذا في النسخ! وهو خطأ، والصواب: لكيلا.]] تظن أنه من تُبُنِّيَ لم تحل امرأته للمتبني. قاله الزجاج [[انظر: "معاني القرآن واعرابه" 4/ 229.]]، وهو قول جميع المفسرين [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 201 أ، "تفسير الطبري" 22/ 14، "تفسير الماوردي" 4/ 407، "تفسير البغوي" 3/ 533.]]. قوله تعالى: ﴿إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ أي: جامعوهن وطلقوهن، قال الحسن: كانت العرب تظن أن حرمة المتبني مشتبكة كاشتباك الرحم، فبين الله تعالى أن حلائل الأدعياء غير محرمة على المتبنين وإن أصابوهن، بخلاف ابن الصلب فإن امرأته تحرم بنفس العقد، وامرأة المتبني لا تحرم وإن وطئها [[لم أقف عليه.]]. قوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ قال مقاتل: يقول تزوج النبي زينب كائنًا لابد [[انظر: "تفسير مقاتل" 93 أ.]]. وإنما يعني بذلك أن قضاء الله في زينب أن يتزوجها رسول الله -ﷺ- كان ماضيًا مفعولًا.