الباحث القرآني

جديد: مقرئ المتون
مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ۚ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ ۚ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ ۖ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
قوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ قال [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] الأخفش: إنما هو ما جعل الله لرجل قلبين في جوفه، وجاءت (من) توكيدًا، [كما تقول: رأيت زيدًا نفسه فأدخل (من) توكيدًا] [["معاني القرآن" 2/ 4780.]] [[هو: أبو معمر جميل بن معمر بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح القرشي الجمحي، شهد حرب الفجار مع والده، أسلم عام الفتح مسنا وكان يلقب ذا القلبين؛ لأنهم كانوا يقولون: له قلبان في جوفه من شدة حفظه، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ وشهد مع الرسول -ﷺ- حنيناً. انظر: "الاستيعاب" 1/ 237، "الإصابة" 1/ 245، "أسد الغابة" 1/ 295]]. واختلفوا في سبب نزول هذا، فقال السدي وقتادة ومجاهد: نزلت في أبي معمر جميل بن معمر بن حبيب بن عبد الله الفهري (¬6) وكان ظريفًا لبيبًا حافظًا لما يسمع، وكان يقول: إن في جوفي لقلبين أعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد، وكانت قريش تقول: إن لجميل قلبين في جوفه، وكان يسمى ذا القلبين. هذا قول ابن عباس في رواية عطاء [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 182 ب، "تفسير الطبري"، وأورده السيوطي في، "الدر" وعزاه لابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة، ولابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس، ولابن أبي حاتم عن السدي. وانظر: "تفسير ابن عباس" ص 350.]]. وقال في رواية أبي طيبان: إن المنافقين قالوا: [إن] [[زيادة لا يستقيم المعى بدونها وهي موافقة لما في "سنن الترمذي".]] لمحمد قلبين قلبًا معكم وقلبا مع أصحابه [[رواه الترمذي في "سننه" كتاب: التفسير، سورة الأحزاب 5/ 27، وقال: هذا حديث حسن، ورواه الحاكم في "المستدرك" كتاب: التفسير، تفسير سورة الأحزاب 2/ 415، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.]]. وقال الزهري: هذا مثل ضربه الله في شأن زيد بن حارثة تبناه النبي -ﷺ- يقول: فكما لا يكون لرجل قلبان، فكذلك لا يكون رجل واحد ابن رجلين [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 182 ب، "تفسير السمرقندي" 3/ 36.]]. وقال مقاتل بن حيان: هذا مثل ضربه الله للمظاهر أي: فكما لا يكون لواحد قلبان كذلك لا يكون المرأة المظاهرة أمه [[هكذا في النسخ! وهو خطأ، والصواب: لا تكون امرأة المظاهر أمه.]] حتى يكون له أمان [[ذكره البغوي في "تفسيره" 3/ 506، وعزاه للزهري ومقاتل. وذكره الماوردي في "تفسيره" 4/ 377. وعزاه لمقاتل بن حيان. وذكره "الثعلبي" 3/ 182 ب، وعزاه للزهري ومقاتل.]]. والقول الأول عليه أهل التفسير [[انظر: "تفسير الطبري" 11/ 119، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 318، "تفسير الماوردي" 4/ 370.]]، والآية تكذيب للمشركين الذين قالوا: إن له قلبين، ثم قرن الله تعالى هذا الكلام بما يقوله المشركون وغيرهم مما لا حقيقة له، فقال: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ﴾ قال أبو علي الفارسي: وزنه فاعل مثل شائي ونائي، والقياس إثبات الياء [فيه] [[ما بين المعقوفين ساقط في (ب).]] بعد الهمزة كما ثبتت في الشائي والنائي ونحوه، ويجوز حذف الياء منه، وحكى ذلك سيبويه فقال: من قال: اللاء بغير ياء، قال: إذا سمي به لاء؛ لأنه يصير بمنزلة باب، وصار حرف الإعراب غير الفعل التي هي الهمز [["الحجة" 5/ 466.]]. ويجوز أيضًا تخفيف الهمزة عند حذف الياء فيجعلها بين بين، وعلى هذا أنشد [[في (ب): (ينشد).]] [[البيت من الطويل، وهو لعائشة بنت طلحة في: "العقد الفريد" 7/ 102، وبلا نسبة في: "تهذيب اللغة" 14/ 346، 15/ 38، "الأغاني" 17/ 121، "الأزهية" ص 306.]]: من اللائي لم يحججن يبغين حسنة ... ولكن ليقتلن البريء المغفلا وقد قرأ الفراء بالأوجه الثلاثة [["معاني القرآن" 2/ 334.]]. قوله تعالى: ﴿تُظَاهِرُونَ﴾ أي: تتظهرون على وزن تتفعلون فأدغم التاء في الظاء. وقرأ عاصم: تظاهرون من المظاهرة، وقرأ حمزة: تظاهرون أراد تتظاهرون فحذف تاء تتفاعلون، وأدغم ابن عامر هذه التاء التي حذفها حمزة، فقرأ بفتح التاء وتشديد الظاء كل هذا لغات [[انظر: "القراءات وعلل النحويين فيها" 2/ 534، "الحجة" 5/ 467، "الحجة في القراءات السبع" ص 288.]]. يقال: ظاهر من امرأته وتظاهر وتظهر، وهو أن يقول لها: أنت علي كظهر أمي، وكانت العرب تطلق نساءها في الجاهلية بهذه الكلمة، فلما جاء الإسلام نهوا عنها، أوجبت الكفارة على من ظاهر امرأته في سورة المجادلة. واشتقاق هذا اللفظ والقصة والحكم يذكر هناك. ومعنى الآية: ما جعل الله نساءكم التي تقولون هن علينا كظهور أمهاتنا في الحرام كما تقولون. وقال أبو إسحاق: أعلم الله أن الزوجة لا تكون أما [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 214.]]. قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ الأدعياء جمع الدعي، وهو الذي يدعي ابنا لغير أبيه، ويدعيه غير أبيه، ومصدره: الدعوة يقال: دعِيٌّ بيَّنُ الدعوة أي: ما جعل من تدعونه ابنا وليس بولد في الحقيقة ابنا [[انظر: "الصحاح" 6/ 2336، "تهذيب اللغة" 3/ 19، "اللسان" 14/ 257.]]. قال المفسرون: نزلت في زيد بن حارثة تبناه رسول الله -ﷺ- كالعادة التي كانت في العرب في الجاهلية، فلما تزوج زينب بنت جحش -وكانت امرأة زيد- قالت اليهود والمنافقون: تزوج محمد امرأة ابنه، فأنزل الله هذه الآية إبطالًا لما قالوا وتكذيبًا لهم أنه ابنه. وهذا قول ابن عباس ومجاهد وغيرهم [[انظر: "الثعلبي" 3/ 183 ب، "الطبري" 21/ 119، "زاد المسير" 6/ 351، "الدر المنثور" 6/ 562 وعزاه لابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة.]]. وقوله: ﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ المفسرون على أن هذا خطاب للذين ينسبون الدعي إلى من تبناه كقولهم: زيد بن محمد، يقول الله: هذا قول تقولونه بألسنتكم ولا حقيقة وراءه، فهو قول بالفم من غير إسناد إلى أصل [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 183 ب، "بحر العلوم" 3/ 37.]] كما قال: {ذَلِكُمْ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ} [التوبة: 30]. وقال أبو إسحاق: ادعاؤكم نسب من لا حقيقة لنسبه، قول بالفم لا حقيقة له [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 214.]]. وعلى هذا الخطاب للمتبنين. ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾ يعني: قوله: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ أي: لا يجعل غير الابن ابنا. ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ قال ابن عباس: يرشده إلى سبيله [[لم أقف عليه.]]. وقال مقاتل: وهو يدل على طريق الحق [["تفسير مقاتل" 87 ب.]].