الباحث القرآني

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا ۖ فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ أي: تجامعوهن. وقرئ: تماسوهن [[انظر: "الحجة" 5/ 477 "إعراب القراءات السبع وعللها" 2/ 203.]]. ومعنى الكلام في القراءتين في البقرة [: 246]. قوله -عز وجل-: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ قال أبو إسحاق: (أسقط الله العدة عن التي [[في (أ): (النبي)، وهو خطأ.]] لم يدخل بها؛ لأن العدة في الأصل استبراء [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 232.]] الولد، فإن لم يدخل بها فهي بمنزلة الأمة التي لم يقربها مالكها فليس عليها استبراء. قال مقاتل: إن شاءت تزوجت من يومها [[انظر: "تفسير مقاتل" 93 ب.]]. وقوله: ﴿تَعْتَدُّونَهَا﴾ أي: تحصون العدة عليهن [[في (ب): (عليها).]] بالأقراء والأشهر وقال صاحب النظم: معنى الاعتداد هاهنا استبقاء العدة منهن؛ لأنها حق للأزواج على النساء استبراء من أن يلحق بهن [[هكذا في النسخ! ولعل الصواب: بهم؛ لأن الضمير يعود للأزواج.]] من ليس منهم، ولانقطاع الأمر في النفقة والسكنى، يقال: عددته ألف درهم فاعتدها أي: استوفاها، وكذلك وزنته حقه فاتزنه، وكلته فاكتاله، أي: استوفاه وزنا وكيلا. كذلك هاهنا: استوفاها عددا. وروى ابن أبي بزة [[هو: مقرئ مكة ومؤذن المسجد الحرام أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبد الله بن القاسم بن أبي بزة المخزومي مولاهم الفارسي الأصل، كان مولده سنة 170 وهو أستاذ محقق ضابط متقن، قرأ على أبيه وعلى عبد الله بن زياد وعكرمة بن سليمان، وعليه قرأ إسحاق بن محمد الخزاعي والحسن بن الحباب وغيرهم، روى عنه القراءة قنبل، توفي -رحمه الله- 250 وعمره ثمانون سنة. انظر: "غاية النهاية" 1/ 119، "السير" 12/ 50، "معرفة القراء الكبار" 1/ 54.]] عن ابن كثير: تعتدونها مخففة، قال قنبل والقواس [[هو: أبو الحسن أحمد بن محمد بن علقمة بن نافع بن عمر بن صح بن عون المكى النبال المعروف بالقواس، قرأ على ابن كثير وأبي الإخريط وهب بن واضح == وغيرهما، وقرأ عليه البزى. وقنبل. انظر: "النشر" 1/ 120.]]: وهذا مما وهم فيه ثم رجع عنه، وكذلك وهم في تخفيف قوله: ﴿وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ﴾ [إبراهيم: 17]، وقوله: ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾ [التكوير: 4]. قال أبو علي: ولا وجه للتخفيف في مثل هذا، نحو: تشتدونها وترتدونها، وليس كل المضاعف يبدل من حروف التضعيف فيه، إنما يبدل فيما سمع [[انظر:: "الحجة" 5/ 477 - 478.]]. قال قتادة: فإن شئت قلت: قد جاء في التنزيل في هذا النحو الأمران كقوله: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: 282]، وقال: ﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً﴾ [الفرقان: 5]، قال: وإن شئت جعلته من عدوت الشيء إذا جاوزته، أي: مالكم عليهن من وقت عدة يلزمكم أن تجاوزوا عدده فلا تنكحوا أختها ولا أربعًا سواها حتى تنقضي العدة [[ذكر قول قتادة أبو علي في "الحجة" 5/ 478 ولم ينسبه لقتادة، "البحر المحيط" 8/ 490.]]. قوله تعالى: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ اختلفوا في هذه المتعة قال ابن عباس: هذا إذا لم يكن سمى لها صداقًا، فإذا فرض لها صداقًا فلها نصفه [[انظر "الطبري" 22/ 19، وذكره السيوطي في "الدر" 6/ 625 وعزاه لابن جرير المنذر وإبن أبي حاتم عن ابن عباس.]]، هذا هو الأصح من مذهب الشافعي، وهو أن المطلقة قبل المسيس لا تستحق المتعة مع نصف المهر؛ لأن الله لم يذكر المتعة مع نصف المهر في سورة البقرة، وهو قوله: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: 237] [[انظر: "الأم" 5/ 54، "المغني" 10/ 142.]]. وروى نافع عن ابن عمر قال: لكل مطلقة متاع إلا التي تطلق قبل أن يدخل بها وقد فرض لها، فإن لها نصف الصداق فلا متعة [[لم أقف عليه.]]. قال قتادة: نسخت هذه الآية التي قبلها في البقرة وهو قوله: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 37] [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 20، "تفسير زاد المسير" 6/ 402، "الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه" ص 348.]]. فدلت هذه الأقوال على أنها لا تستحق المتعة إذا طلقت قبل المسيس وبعد القرض، وإن طلقت قبلهما استحقت المتعة. روي أن شريحًا أخبر رجلاً طلق امرأته ولم يكن لها فرض ولم يدخل بها [[الكلام هنا ناقص لم يتم، والأسلوب غير مستقيم يبدو أن فيه سقطًا ولم أستطع الوقوف عليه.]]، وهو مذهب الزهري. وقال مقاتل: فمتعوهن بنصف [[لم أقف على قول مقاتل.]]، فجعل هذه المتعة بما تستحق من نصف المهر، وهذا إنما يكون إذا كان قد فرض لها، فأما إذا لم يفرض لها فإنها تستحق المتعة واجبة لها على قول أكثر الناس، وبعضهم يقول نسخت ذلك ولا تجب في قوله: ﴿وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 19، "الماوردي" 4/ 412، "زاد المسير" 6/ 402.]] قال مقاتل: يعني: حسنًا في غير ضرر [[انظر: "تفسير مقاتل" 93 ب.]].