الباحث القرآني

يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۗ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾، ذكر الله تعالى في هذه الآية أنواع النسوة والأنكحة التي أحلها [[في (ب): (أحلتها).]] للنبي -عليه السلام- مما يختص به ومما سواه الأمة [[الأسلوب هنا فيه اضطراب، ولعل الصواب: دون ما سواه من الأمة.]] في ذلك. وقوله: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ قال المفسرون: يعني: مهورهن، والمعنى: أحللنا لك أزواجك اللاتي تزوجتهن بصداق [[انظر: "الطبري" 22/ 20 - 21، "الماوردي" 4/ 413، "زاد المسير" 6/ 403.]]، ﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ يعني: الولائد: وهي مارية [[هي: مارية القطية مولاة رسول الله -ﷺ- وأم ولده إبراهيم، أهداها للنبي -ﷺ- المقوقس القبطي صاحب مصر، توفيت رضي الله عنها في خلافة عمر بن الخطاب سنة 16 هـ وصلى عليها عمر ودفنت بالبقيع. انظر: "الاستيعاب" 4/ 396، "الإصابة" 4/ 391، "أسد الغابة" 5/ 5439.]] القبطية أم إبراهيم، وريحانة [[هي: سرية رسول الله -ﷺ واسمها: ريحانة بنت شمعون بن زيد بن قساعة من بني قريظة قتل زوجها في بني قريظة وكانت مع السبي، نفر لها رسول الله -ﷺ- حينما عرض عليه النبي وأرسلها إلى بيت أم المنذر بنت قبس ثم دخل عليها وخيرها فاختارت الله ورسوله فأعتقها وتزوجها، ماتت رضي الله عنها سنة 10 هـ حينما رجع رسول الله -ﷺ- من حجة الوداع. انظر: "الاستيعاب بهامش الإصابة" 4/ 302، "أسد الغابة" 5/ 460.]] وصفية وجويرية. وقوله: ﴿مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ أي: رجعه ورده إليك من الكفار بأن سبيته وملكته. ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ﴾ يعني: القرشيات [[في (ب): (القريشيات).]] من بني تميم وعدي ومخزوم وأمية. ﴿وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ﴾ يعني نساء بني زهرة. وهذا مما تساويه الأمة فيه إلا العدد في الحرائر دون الإماء. قوله تعالى: ﴿اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ قال مقاتل: إلى المدينة فإن كانت [[هكذا في النسخ! ولعل الصواب كما في "تفسير مقاتل" 94 أ: فإن كانت لم تهاجر.]] تهاجر إلى المدينة لم يحل له تزوجها [[انظر: "تفسير مقاتل" 94 أ.]]. وروى السدي عن أبيِ صالح أن أم هانئ [[هي: أم هانئ فاختة وقيل فاطمة وقيل هند والأول أشهر، بنت أبي طالب بن عبد المطلب ابن هاشم، ابنة عم النبي -ﷺ- وأخت علي بن أبي طالب، أسلمت عام الفتح وهرب زوجها واسمه هبيرة بن أبي وهب إلى نجران، فلما انقضت عدتها خطبها النبي -ﷺ- فقالت يا رسول الله؛ لأنت أحب إلى من سمعي ومن بصري وحق الزوج عظيم وأنا أضيع حق الزوج. انظر: "الاستيعاب بهامش الإصابة" 4/ 479، "الإصابة" 4/ 479، "أسد الغابة" 5/ 624.]] قالت: خطبني رسول الله -ﷺ- فاعتذرت إليه فعذرني، ثم أنزل الله عليه: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾. إلى قوله: ﴿اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ [قال مقاتل] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]]: قالت: لم أحل له لأني لم أهاجر معه كنت من الطلقاء [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 22/ 20 - 21 ورواه الترمذي في "جامعه" كتاب: التفسير، تفسير سورة الأحزاب 5/ 33 رقم الحديث (3266) وقال: هذا حديث حسن لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث السدي، والحاكم في "المستدرك" 2/ 420 وصححه ووافقه الذهبي، وأورده السيوطي في "الدر" 6/ 628 وزاد نسبته لابن سعد وعبد بن حميد وابن مردويه والبيهقي.]]، وهذا يوجب أن الهجرة كانت شرطًا في التحليل، فيحتمل أن يكون الأمر كذلك ثم نسخ كما كانت الوراثة بالهجرة ثم نسخ [[انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 414، "تفسير زاد المسير" 6/ 404، "مجمع البيان" 8/ 571.]]. قال صاحب النظم: نزلت هذه الآية قبل تحليل غير المهاجرات. وقوله: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً﴾ عطف على ما سبق من المحللات قال ابن عباس: يريد مصدقة بتوحيد الله [[ذكره الطبرسي في "مجمع البيان" 8/ 571 غير منسوب لأحد.]]. قال مقاتل: اليهودية أو النصرانية أو الحربية إن وهبت نفسها للنبي لم تحل له، قال: وإنما قيل هاهنا للنبي -ﷺ- لأنه لو قيل: إن وهبت نفسها لك، كان يجوز أن يتوهم في الكلام دليل أنه يجوز ذلك لغير النبي -ﷺ- كما جاز في قوله: ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ﴾؛ لأن بنات العم وبنات الخال يحللن للناس [[انظر: "تفسير مقاتل" 94 أ.]]. وقوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾ أي آثر نكاحها وأراد ذلك. ﴿خَالِصَةً لَكَ﴾ قال الفراء: (نصب على القطع يعني: هذه الخصلة يعني: النية في النكاح خالصة لك ورخصة) [[انظر: "معاني القرآن" 2/ 345 مع اختلاف في العبارة.]]. وقال الزجاج: (خالصة منصوب على الحال، المعنى: إنا جعلنا لك هؤلاء وأحللنا لك من وهبت نفسها خالصة لك) [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 233.]]. وقال صاحب النظم: خالصة مصدر كالخاطئة والكاذبة والملاعنة، والمعنى في قوله: ﴿خَالِصَةً لَكَ﴾ أي: خاصة لك وخاصة أيضًا مصدر مثل خالصة أي خصوصًا لك ذلك من بين أمتك وهو قوله: ﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وقال أبو عبيدة: (رجع عن الغائبة إلى المخاطبة والعرب تفعل ذلك كقول عنترة: سقت مزارها سفين .. .. البيت) [["مجاز القرآن" 2/ 139. وهكذا ورد في النسخ! وفي "مجاز القرآن" وكذا في بقية المراجع جاء البيت هكذا: == شطت مزار العاشقين فأصبحت ... عسرا على طلابها ابنة مخرم وهو من الكامل، وهو لعنترة في "ديوانه" ص 19، "شعراء النصرانية" 6/ 809، "الكامل" 1/ 399، 2/ 729، "لسان العرب" 4/ 314 (زأر)، 336 (زور)، انظر: "تفسير ابن عباس" ص 334 (شطط). ومعى البيت: يقول: نزلت الحبيبة أرض أعدائي فأصبح طلبها عسيرًا علي. وفي الكلام التفات من الغيبة إلى الخطاب انظر: "جمهرة أشعار العرب في الجاهلية والإسلام" 2/ 484.]]. قال الأزهري: الهبة كانت للنبي -ﷺ- خاصة، ولا يحل لأحد أن تهب نفسها بغير شهود ولا ولي إلا للنبي -ﷺ-. وقال ابن عباس: لا يحل هذا لغيرك وهو لك حلال [[انظر: "تفسير ابن عباس" ص 424، وذكر الطبري نحوه 22/ 21 ونسبه لمجاهد.]]. قال المفسرون: هذا من خصائصه في النكاح وكان ينعقد النكاح له بلفظ الهبة من غير ولي ولا شهود، ولا ينعقد لأحد نكاح بلفظ الهبة [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 23 - 24، "تفسير الماوردي" 4/ 415، "تفسير زاد المسير" 6/ 405.]]، وهو مذهب الشافعي -رحمة الله- وأكثر الفقهاء [[انظر: "الأم" 5/ 33، "المغني" 9/ 345.]]. وأجاز أهل الكوفة النكاح بلفظ الهبة إذا حضر الولي والشهود [[يروى هذا كما في "المغني" 9/ 345 عن ابن سيرين والقاسم بن والحسن محمد بن صالح وأبي يوسف.]]. واختلفوا في الموهوبة، هل كانت عند النبي -ﷺ- موهوبة أم لا؟ فمذهب ابن عباس في رواية عكرمة ومجاهد أنه لم يكن عند النبي -ﷺ- امرأة إلا بعقد النكاح أو ملك اليمين، وهذا شيء أباحه الله له، فإذا استباحه حل له [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 23، "تفسير الماوردي" 4/ 414، "مجمع البيان" 8/ 571.]]. وقال آخرون: بل كانت عنده موهوبة، ثم اختلفوا، فقال عطاء عن ابن عباس: هي أم شريك العامرية [[هي: أم شريك، واختلف في اسمها فقيل: غزيلة بالتصغير، ويقال عزية بتشديد الياء بنت دودان بن عوف بن عمرو بن عامر، اختلف في نسبتها، فقيل: قرشية وقيل: عامرية وقيل: أنصارية. يقول ابن حجر في "الإصابة": ويمكن الجمع بين الأقوال بأن يقال: هي قرشية تزوجت في دوس فنسبت إليهم، ثم تزوجت في الأنصار فنسبت إلهم. يقال: إنها التي وهبت نفسها للنبي -ﷺ-. انظر: "الاستيعاب" 4/ 445، "الإصابة" 4/ 446، "أسد الغابة" 5/ 594.]]، وهو قول مقاتل [[انظر: "مجمع البيان" 8/ 571، ونسب القول لعلي بن الحسين والضحاك ومقاتل، وانظر أيضًا: "تفسير زاد المسير" 6/ 405 ولم ينسبه لأحد. وذكره "الماوردي" أيضًا 4/ 414 ونسبه لعروة بن الزبير، وانظر: "تفسير مقاتل" 94 ب.]]. وقال عروة: هي: خولة بنت حكيم [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 23، "مجمع البيان" 8/ 571، وذكره "الماوردي" 4/ 414، و"ابن الجوزي" 6/ 405 غير منسوب لأحد.]]. وقال قتادة: هي ميمونة بنت الحارث [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 23، "تفسير الماوردي" 4/ 414، "تفسير زاد المسير" 6/ 406 ونسبه لابن عباس.]] وقال الشعبي: هي زينب بنت خزيمة [[هي: زينب بنت خزيمة بن الحارث الهلالية زوج النبي -ﷺ-، يقال لها: أم المساكين لكثرة إطعامها الطعام لهم، تزوجها رسول الله -ﷺ- أدخل بها بعدما دخل بحفصة رضي الله عنها ثم لم تلبث فلنب عند رسول الله -ﷺ- سوى شهرين أو ثلاثة حتى ماتت رضي الله عنها، ولم أجد عند من ترجموا لها من ذكر أنها وهبت نفسها للنبي -ﷺ- والله أعلم. انظر: "الاستيعاب" 4/ 305، "الإصابة" 4/ 309 "أسد الغابة" 5/ 466.]] [[انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 414، "تفسير زاد المسير" 6/ 406.]]. وقال مقاتل: ثم أخبر الله عن المؤمنين فقال: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ ألا يتزوجوا إلا أربع نسوة بمهر وبينة وهذا قول جميع المفسرين [[انظر: "تفسير مقاتل" 94 أ.]]، قالوا: فرضنا على أمتك ألا يتجاوز الأربع ولا ينعقد نكاحهم إلا بالأولياء والشهود [[انظر: "الطبري" 22/ 23 - 24، "الماوردي" 4/ 415، "زاد المسير" 6/ 406.]]. قوله: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ قال أبو إسحاق: (ذلك اليمين لا يكون إلا ما يجوز سبيه) [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 233.]] ممن يجوز حربه، فأما من كان له عهد فلا. وقال صاحب النظم: انتظمت هذه الآية مجاوزة الأربع للنبي -ﷺ- والهبة، وكان له أن يصطفي من النبي من شاء نبه الله بهذا على من خصه به [[هكذا في النسخ! ولعل الصواب: على ما خصه به.]] دون غيره من أمته؛ لأنه لم يبح لهم من هذه الأصناف التي عددها في التحليل له شيئًا. قوله -عز وجل-: ﴿لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾. فيه تقديم، والمعنى: خالصة لك من دون المؤمنين كي لا يكون عليك، [أي: أحللنا لك ما ذكرنا لكي لا يكون عليك] [[ما بين المعقوفين مكرر في (أ).]] ضيق في أمر النكاح ومنع من شيء تريده. ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ في التزويج بغير مهر للنبي -عليه السلام- ﴿رَحِيمًا﴾ به في تحليل ذلك. قاله مقاتل [[انظر: "تفسير مقاتل" 94 أ.]].