الباحث القرآني

تُرْجِي مَن تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاءُ ۖ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا
قوله -عز وجل-: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ ذكرنا الكلام في [معنى] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] الإرجاء عند قوله تعالى: ﴿أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾ [الأعراف: 111] وقوله: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 106]، وأكثر المفسرين على أن هذه الآية نزلت في إباحة النبي -ﷺ- مصاحبة نسائه ومعاشرتهن كيف شاء من غير حرج عليه في ذلك تخصيصًا له وتفضيلًا، فأبيح له لمن أحب منهن يومًا أو أكثر، ويعظل من شاء منهن فلا يأتيها. وهذا قول ابن عباس ومجاهد وابن زيد واختيار الفراء والزجاج. فمعنى قوله: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ قال ابن عباس ترجيها من غير طلاق، ﴿وَتُؤْوِي إِلَيْكَ﴾ وتضم من تشاء تردها إليك [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 25، "الماوردي" 4/ 415، "زاد المسير" 6/ 407.]]. قال مجاهد: تعزل بغير طلاق وتؤوي إليك من تشاء: تردها إليك [[انظر: "تفسير مجاهد" ص 519، "تفسير الطبري" 22/ 25، "الماوردي" 4/ 415.]]. وقال الكلبي: تترك من تشاء منهن فلا تأتيها ﴿وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ فتأتيها [[في (ب): (فتؤتيها).]] [[لم أقف على من نسبه للكلبي، وقد ذكر الطبرسي في "مجمع البيان" 8/ 574 نحو هذا القول وعزاه لقتادة.]]. قال أبو إسحاق: (خيَّر الله -عز وجل- نبيه -ﷺ- فكان له أن يؤخِّر من أراد من نِسائه وله أن يردَّ من أحب إلى فراشه، وليس ذلك لغيره من أمته) [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 233.]] وكان القسم والتسوية بينهن واجبًا عليه فلما نزلت هذه الآية سقط عنه وصار الاختيار فيهن، قال أبو زيد: وكان ممن آوى عائشة وحفصة وأم سلمة وزينب وكان قسمتهن من نفسه وماله سواء بينهن وكان ممن أرجى: سودة وجويرية وأم حبيبة وميمونة [[في (ب): (وصفية وميمونة) تقديم وتأخير.]] وصفية وكان يقسم لهن ما شاء، وكان أراد أن يفارقهن فقلن له: اقسم لنا من نفسك ما شئت ودعنا على حالنا [[انظر: " تفسير الطبري" 26/ 22، وقد ذكر قول ابن زيد لكنه لم يذكر أسماء من آوى ومن عزل. "تفسير ابن أبي حاتم" 10/ 3145 عن ابن زيد، "مجمع البيان" 8/ 574، ونسب القول لابن رزين، وذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 6/ 407 وعزاه لابن رزين أيضًا، وذكره السيوطي في "الدر" 6/ 635، ونسبه لابن سعد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي زيد.]]. قوله تعالى: ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ أي: إن أردت أن نؤوي إليك امرأة ممن عزلتهن وأخرتهن من القسمة وتضمها إليك فلا جناح عليك [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 233.]]. لا ميل [[هكذا في النسخ! ولعل الصواب: لا لوم.]] يلوم ولا عتب، والمعنى: أنك إذا أرجأت بعضًا وآويت ثم آويت من أرجأت فلا جناح عليك [[الكلام هنا موهم والأسلوب فيه اضطراب، والذي يظهر لي والله أعلم أن الكلام من قوله: (ميل) إلى قوله: (ثم إيواء من أرجأت فلا جناح عليك) كلام زائد وقع خطأ من النساخ.]]، وفي الكلام إيجاز بتقدير وأرجأت من آويت فلا جناح عليك، فدل أحد الظرفين على الثاني؛ لأنه إذا كان له إيواء من عزل وأرجأ كان له إرجاء من آوى. قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ﴾ أي: ذلك التخيير الذي خيرناك في صحبتهن أدنى إلى رضاهن إذا كان من عندنا، قال الفراء: (إذا علمن أن الله قد أباح ذلك رضين إذا كان من عند الله) [[انظر: "معاني القرآن" 2/ 346.]]. قال أبو إسحاق: إذا كان هذا منزلًا من الله عليك [[في (ب): (إليك).]] كان أقرب إلى أن يرضين بما آتيتهن كلهن أي ويرضين كلهن بما آتيتهن من تقريب وإرجاء [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 233.]]. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ أي: من أمر النساء والميل إلى بعضهن، قال صاحب النظم: هذا يدل على أن الله قصد بها التخيير والتيسير [[في (ب): (التسير).]] والتسهيل محنة في كل ما أراد منهن، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ بخلقه ﴿حَلِيمًا﴾ عن عقابهم. قاله ابن عباس [[لم أقف عليه]] وذكرت في قوله: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ قوال سوى ما ذكرنا، وسياق الآية [بعضها و] [[هكذا في النسخ! ولعلها زيادة من النساخ؛ لأنه يخل بنظم الكلام.]] لا يوافقها فتركتها.