الباحث القرآني

جديد: مقرئ المتون
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَٰكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ ۚ إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ ۖ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ ۚ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ ۚ ذَٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ۚ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا ۚ إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا
قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ قال أنس بن مالك: أنا أعلم الناس بهذه الآية، إنه الحجاب، أصبح رسول الله -ﷺ- عروسًا بزينب بنت جحش، ودعا القوم فأصابوا من الطعام، ثم خرجوا وبقي وهي منهم عند رسول الله -ﷺ- فأطالوا المكث، وجعلوا يتحدثون، وجعل رسول الله -ﷺ- يخرج ثم يرجع وهم قعود، فنزلت هذه الآية. قال: فقام القوم وضرب الحجاب [[أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب: قوله: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ 4/ 1499 رقم (4513)، ومسلم في النكاح، باب: زواج زينب بنت جحش ونزول الحجاب 2/ 1048 رقم (1428) كلاهما عن أنس.]]. ﴿إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ قال الزجاج: (موضع أن نصب المعنى إلا بأن يؤذن أو لا يؤذن لكم) [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 234.]] ﴿إِلَى طَعَامٍ﴾ أي: إلا أن تدعوا إلى طعام، ومعنى ﴿يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾: يدعوا، ويجوز أن يكون المعنى على التقديم والتأخير، فتقدير لا تدخلوا بيوت النبي إلى طعام إلا أن يؤذن لكم. وقوله: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ﴾ قال أبو إسحاق: (غير منصوبة على الحال، المعنى: إلا أن يؤذن لكم غير منتظرين) [[المصدر السابق.]] ﴿إِنَاهُ﴾ أي: نضجه وإدراكه وبلوغه. قال المفسرون [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 34، "تفسير الماوردي" 4/ 418، "تفسير زاد المسير" 6/ 414 - 415.]]. قال مجاهد: غير [متحينين] [[غير واضحة في جميع النسخ، والتصحيح من "تفسير مجاهد" ص 520.]] نضجه [[انظر: "تفسير مجاهد" ص 520.]]. المعنى: أنهم كانوا يدخلون بيته فيجلسون منتظرين إدراك الطعام فنهوا عن ذلك، والتقدير: إلا أن يؤذن، لكن وأنتم لا تنتظرون بلوغ الطعام. قال أبو عبيدة: ﴿إِنَاهُ﴾ أي: إدراكه، يقال أنى يأني إدراك أنا كما ترى [[هكذا في النسخ! والذي في"مجاز القرآن لأبي عبيدة" 2/ 140: أي: إدراكه وبلوغه، ويقال: أني لك أن تفعل يأني أنيًا، والاسم إني وأني: أبلغ أدرك.]]، وأنشد: تمخضت المنون له بيوم ... أنى ولكل حاملة تمام [[البيت من الوافر، وهو للنابغة الذبياني في "ديوانه" ص 101 ضمن أبيات قالها حين عاد إلى النعمان فألفاه عليلا، "جمهرة أشعار العرب" 1/ 199. والشاهد فيه قوله "حاملة" حيث جاء بهذا الوصف متصلاً بتاء التأنيث مع أنه خاص بالإناث لا يوسف به غيرهن، وذلك أنه جعل وصفًا جاريًا على الفعل.]] قال الأزهري ومن هذا قوله: ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: 44]، وهو الذي قد بلغ غاية الحرارة. وكذلك قوله: ﴿مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الغاشية: 5] وقوله: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحديد: 16]، وهو أن يأني [["تهذيب اللغة" 15/ 553 (أنى).]]. وقوله: ﴿وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ قال مجاهد: أي بعد أن تأكلوا [[انظر: "تفسير مجاهد" ص 520.]]. قال مقاتل: كانوا يجلسون عند النبي -ﷺ- قبل الطعام وبعد الطعام يتحدثون عنده طويلًا [[انظر: "تفسير مقاتل" 94 ب.]]، وكان يؤذيه ذلك ويستحي أن يقول لهم قوموا، فذلك قوله: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ يعني: دخول بيته بغير إذن والقعود؛ لانتظار الطعام يؤدي النبي -ﷺ- فيستحي منكم أن يخرجكم منها، ومعنى مستأنسين لحديث: مستأنسين له، والاستئناس هو التأنس، ويقال: إذا جاء الليل استأنس كل وحشي [[انظر: "تهذيب اللغة" 13/ 87 (أنس)، "اللسان" 6/ 15 (أنس).]]. قال أبو إسحاق: (كان النبي -ﷺ- يحتمل إطالتهم كرمًا منه ويصبر على الأذى في ذلك، فعلم الله من يحضره الأدب فصار أدبًا لهم ولمن بعدهم) [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 235.]]. قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾، معناه: لا يستحيي أن يبين لكم ما هو الحق وذكرنا معنى استحياء الله -عز وجل- عند قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا﴾ [البقرة: 26] قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾، فنزل الأمر بالاستتار. قال ابن عباس: وذلك [[في (ب): وذلك أن الله تعالى عمر -رضي الله عنه-، وهو خطأ.]] أن عمر -رضي الله عنه- كان عند رسول الله -ﷺ- في ظلمة البيت فوافقت يده يد امرأة من أزواج رسول الله -ﷺ- فقال والله لو أطاعني رسول الله لضرب عليكن الحجاب فأنزل الله هذه الآية [[انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 419، "مجمع البيان" 8/ 576.]]. وقال أنس: قال عمر: يا رسول الله، يدخل عليك البرُّ والفاجر فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب، فنزلت آية الحجاب [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 39، ورواه البخاري في الصلاة 1/ 111، وفي التفسير سورة البقرة 6/ 34، وسورة الأحزاب 6/ 148، ورواه مسلم في فضائل الصحابة، باب: من فضائل عمر بن الخطاب 7/ 115.]]. قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ﴾ أي: سؤالكم إياهن المتاع من وراء الحجاب ﴿أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ ومن الريبة ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ قال أبو إسحاق: أي ما كان لكم أذاه في شيء من الأشياء [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 235.]]. قال أبو عبيدة: العرب [[في (أ): (تدخل)، وهو خطأ.]] يدخلون كان يؤكدون بها الكلام وهو مستغنى عنه وأنشد الفرزدق: فكيف إذا رأيت ديار قوم ... وجيران لنا كانوا كرام [[البيت من الوافر وهو للفرزدق في "ديوانه" 2/ 290، "خزانة الأدب" 9/ 217، 221، 222، "الكتاب" 2/ 153، "لسان العرب" 13/ 370 (كنن). والشاهد فيه قوله: "وجيران لنا كانوا كرام" حيث فصل بين الموصوف وهو قوله "وجيران" والصفة وهي قوله "كرام" بـ"كانوا" الزائدة.]] فجعلوا كان لغوًا [["مجاز القرآن" 2/ 140.]]. قال مقاتل بن حيان: بلغنا أن رجلاً من قريش هوى أن يتزوج عائشة من بعد النبي فبلغ ذلك النبي -ﷺ- فشق ذلك عليه، فأنرل الله: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ [[لم أقف على هذا القول عن مقاتل بن حيان وقد ذكره أكثر المفسرين فقد ذكره الطبري 22/ 40 عن ابن زيد، ومقاتل في "تفسيره" 94 ب، والنحاس في "معاني القرآن" 5/ 373 عن قتادة، والطبرسي 8/ 574 عن أبي حمزة الثمالى.]] وقال عطاء عن ابن عباس: كان رجل من سادة قريش من أصحاب النبي -ﷺ- من العشرة الذين [[ما بين المعقوفين كلام زإئد يظهر أنه وهم من النساخ إذ لا معنى له.]] كانوا معه على حراء) قال في نفسه [لو] [[ما بين المعقوفين بياض في (ب).]] توفي رسول الله لتزوجت عائشة وهي بنت عمي فأنزل الله -عز وجل- ما أنزل [[انظر: "تفسير زاد المسير" 6/ 416، وذكره السيوطي في "الدر" 6/ 643، وعزاه لابن أبي حاتم وابن مردويه وذكره الطبري 22/ 40 عن ابن زيد.]]. قال مقاتل بن سليمان: هو طلحة بن عبيد الله قال لما نزلت آية الحجاب: نهانا محمد أن ندخل على بنات عمنا -يعني: عائشة- وهما من بني تميم بن مرة ثم قال: والله لئن مات محمد وأنا حي لأتزوجن عائشة، فأنزل الله في طلحة ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ إلى آخرها [[انظر: "تفسير مقاتل" 94 ب، وذكره السيوطي في "الدر" 6/ 643، وعزاه لابن أبي حاتم عن السدي ولعبد الرزاق عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة ولابن سعد عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم.]]. قال أبو إسحاق: أعلم الله أن ذلك محرم بقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ أي: ذبنًا عظيمًا [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 235.]].