الباحث القرآني

جديد: مقرئ المتون
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا
ثم نهى الحرائر أن يتشبهن بالإماء في الزي بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ إلى قوله: ﴿مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ جمع الجلباب يعني ملاءة المرأة التي تشتمل بها [[انظر: "اللسان" 1/ 272 (جلب)، "مقاييس اللغة" (470) (حلب).]]. وذكرنا تفسير الجلباب في سورة النور [النور: 30 - 31]، قال المفسرون في قوله: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ يغطين رءوسهن ووجوههن إلا عينًا واحدة، فيعلم أنهن حرائر فلا يعرض لهن بأذى من قول وهو قوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ [[(أدنى) مكررة في (ب) وهو خطأ.]] هذا قول ابن عباس وابن سيرين [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 46، "ابن أبي حاتم" 10/ 3154، عن ابن عباس، "مجمع البيان" 8/ 580، ذكره السيوطي في "الدر" 6/ 659، وزاد نسبته لابن مردويه عن ابن عباس، وذكره الفراء في "معاني القرآن" 2/ 349.]]. قال أصحابنا: الحكم في الحرة إذا برزت لحاجة أن تلتحف حتى لا يرى منها سوى الصحيحين، وأما الأمة فإنها أيضًا يأمرها بالستر والتقنع وإن كانت لا تؤمر في ذلك الزمان. كما روى أن عمر -رضي الله عنه- أنكر على أمة رآها متقنعه [[انظر: "تفسير القرطبي" 14/ 244، وذكره السيوطي في "الدر" 6/ 660 وعزاه لابن أبي شيبة عن أبي قلابة ولابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن أنس.]]. ويجوز تغير الحكم في الأزمنة بتغير أهلها ألا ترى أن أصحاب رسول الله -ﷺ- منعوا النساء المساجد بعد وفاة رسول الله -ﷺ- مع قوله: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله" [[أخرجه الإمام أحمد في "مسنده" 2/ 16 - 36 - 438 - 475، 6/ 69، والدارمي في "سننه" كتاب الصلاة، باب النهي عن منع النساء من المساجد 2/ 293.]] [[قول المؤلف -رحمه الله- إن الفتوى تتغير الزمان هذا فيما يكون من الأحكام مبنيًّا على عادة النساء وعرفهم ومن المعلوم أن الشرع المطهر أوجب ملاحظة العرف والعادة عند تطبيق الأحكام ولذلك فمما يجب على المجتهد المفتي أن يكون مطلعًا على أحوال الناس عارفًا لمجاري كلامهم في عقودهم ومعاملاتهم فتكون فتواه على حسب ذلك. ومن هنا تتغير الفتوى حسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال. يقول القرافي رحمه الله فيما نقله عنه د/ عبد الله التركي في "أصول مذهب الإمام أحمد" ص 664: " إن إجراء الأحكام التي مدركها العوائد مع تغير تلك العوائد خلاف الإجماع، وجهالة في الدين، بل كل ما هو في الشريعة يتبع العوائد يتغير الحكم فيه عند تغير العادة إلى ما تقتضيه العادة المتجددة. اهـ وليس معنى هذا أن أحكام الشريعة ونصوصها تتغير بل أن تغير الفتوى بتغير الزمان أو المكان أو حالة الناس هو تطبيق صحيح لأحكام الشريعة ونصوصها ذلك أن الشارع الحكيم جعل تطبيق هذه الأحكام مبنيًا على العرف والعادة. يقول د/ عبد الله التركي في المصدر السابق ص 665: ولذلك أوجب العلماء على المفتين إذا جاءهم مستفت من غير بلادهم ألا يفتوه بما يفتون به أهل البلد، بل عليهم أن يسألوه عن العرف في بلده وهو يخالف عرف المفتي أو يتفق معه وهل تجدد لهم عرف إذا كان المفتي يعرف عرفهم السابق قال القرافي رحمه الله في هذا: "وهذا أمر متعين وواجب لا يختلف فيه العلماء وإن العادتين متى كانتا في بلدين ليستا سواء أن حكمهما ليس سواء". اهـ. وقد عقد ابن القيم -رحمه الله تعالى- في كتابه "أعلام الموقعين" فصلا عن تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والأعراف وقد ضرب على ذلك أمثلة كثيرة بين فيها اختلاف الحكم من زمان إلى زمان ومن حال إلى حال وما ذاك إلا لاختلاف الزمان والحال "أعلام الموقعين" 1/ 14 ولمزيد من العلم في هذه المسألة راجع الكتب التالية "إعلام الموقعين" 1/ 70، "الفروق" 1/ 44 - 47، "أصول مذهب الإمام أحمد". عبد الله التركي ص 664 - 670.]]. قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أي: لمن اتبع [أمره رحيمًا به] [[ما بين المعقوفين طمس في (ب).]] قاله ابن عباس [[لم أقف عليه.]]. وقال مقاتل: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ وفي تأخير العذاب ﴿رَحِيمًا﴾ حين لم يعجل بالعقوبة.