الباحث القرآني

جديد: مقرئ المتون
إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا
قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ [[قوله: (والجبال) ساقط من (ب) وهو خطأ.]] قال ابن عباس: الأمانة الفرائض التي افترضها الله على العباد [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 54. "تفسير الماوردي" 4/ 428، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 384، "مجمع البيان" 8/ 584.]]. وقال الحسن: هو الدين، فالدين كله أمانة [[انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 428.]]. وقال أبو العالية: الأمانة ما أمروا به وما نهوا عنه [[انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 428، "مجمع البيان" 8/ 584، وذكره السيوطي في "الدر" 6/ 668، وعزاه لابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.]]. وقال مقاتل: الأمانة هي الطاعة [[انظر: "تفسير مقاتل" 96 ب.]]. والأمانة في هذه الآية في قول جميعهم: الطاعة والفرائض التي [[في (ب): (الذي).]] يتعلق بأدائها الثواب وبتضييعها العقاب [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 57، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 384، "تفسير زاد المسير" 6/ 428، "تفسير القرطبي" 14/ 254.]]. وروى زيد بن أسلم عن النبي -ﷺ- أنه قال: "الأمانة ثلاثة: الصلاة والصيام والغسل من الجنابة" [["تفسير عبد الرزاق" 2/ 102، وفي "تفسير البغوي" 6/ 380 عنه الصوم والغسل من الجنابة وما يخفى من الشرائع. وقد رجح الطبري رحمه الله في "تفسيره" 22/ 57 أن المراد بالأمانة في هذا الموضع: جميع معاني الأمانات في الدين وأمانات الناس وذلك أن الله لم يخص بقوله ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ بعض معاني الأمانات.]]. وروي عن الحسن في هذه الآية قال: عرضت الأمانة على السموات السبع الطباق التي زينت بالنجوم وحملت العرش العظيم، فقيل لهن: أتأخذن الأمانة بما فيها؟ قلن: وما فيها؟ قلن [[كذا في النسخ وهي في "الوسيط" قبل لهن.]] لها: إن أحسنتن جزيتن وإن أسأتن عوقبتم. قلن: لا، ثم عرضت على الأرضين السبع اللاتي شددن بالأوتاد وذللت للمهاد وأسكنت العباد، فقيل لهن: أتأخذن الأمانة بما فيها؟ قلن: وما فيها؟ قلن لها [[في (ب): (وإن أسأتن جوزيتن عقوبتين)، وهو خطأ.]]: إن أحسنتن جزيتنن وإن أسأتن عوقبتن [[لم أقف عليه وقد أخرج ابن أبي حاتم في "تفسيره" 10/ 3160 نحو هذا القول عن مجاهد.]]. قلن: لا، ثم عرضت على الجبال الصم الشم الشوامخ البوادخ الصلاب الصعاب، فقيل لهن: أتأخذن الأمانة بما فيها؟ قلن: وما فيها؟ قيل: إن اْحسنتن جزيتن وإن أسأتن عوقبتن، قلن: لا. فذلك قوله: ﴿فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾. وقال ابن جريج: قالت السموات: يا رب خلقتني وجعلتني سقفا محفوظًا، وأجريت في الشمس والقمر، لا أتحمل فريضة ولا أبتغي ثوابًا ولا عقابًا [[أخرجه ابن أبي حاتم في "التفسير" 10/ 3159 عن ابن جريح.]]. وقال مقاتل بن حيان: بدأ الله بالسموات فعرض عليهن الأمانة وهي الطاعة، فقال لهن: أتحملن هذه الأمانة ولكن علي الفضل والكرامة والثواب في الجنة؟ قلن: يا رب إنا لا نستطيع هذا الأمر وليست بنا قوة ولكنا لك مطيعون. وقال للأرض مثل ذلك، فقالت: لا صبر لنا على هذه يا رب ولا نطيقه، ولكنا لك سامعون مطيعون ولا نعصيك في شيء تأمرنا به. ثم قربت الجبال كلها فقلن مثل ذلك وهذا قول جميع المفسرين [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 53، وما بعدها، "تفسير الماوردي" 4/ 429، "تفسير القرطبي" 14/ 253، "مجمع البيان" 8/ 586، "تفسير زاد المسير" 6/ 428.]]. وعلى هذا يكون العرض على أعيان هذه الأشياء بأن ركب الله تعالى فيهن العقول ويفهمن [[هكذا في النسخ، والذي يظهر أنه خطأ، والصواب هو كما في "الوسيط" 3/ 484 أفهمهن خطابه.]] خطابهن حتى فهمن ونطقن بالجواب، ومعنى قوله: ﴿فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا﴾ أي: مخافة وخشية، لا معصية ومخالفة، والعرض كان تخييرًا لا لزامًا. قوله تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾ قال ابن عباس: قال الله لآدم: إني عرضت الأمانة على السموات والأرض فلم تطقها أفتحملها أنت [بما فيها] [[ما بين المعقوفين طمس في (ب).]]؟ قال: وما فيها؟ قال: إن أحسنت جزيت وإن أسأت عوقبت [[في (ب): (عوقبتم).]]. قال: فأنا أتحملها بما فيها، فلم يلبث في الجنة إلا قدر ما بين الأولى والعصر حتى أخرجه الشيطان منها [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 54، "تفسير القرطبي" 14/ 253، "تفسير زاد المسير" 6/ 427.]]. وقال في رو اية عطاء: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾ يريد آدم -عليه السلام-، عرض عليه أداء الفرائض والصلوات الخمس في مواقيتها، وأداء الزكاة عند محلها، وصام رمضان وحج البيت، على أن له الثواب وعليه العقاب، فقال: بين أذني وعاتقي [[ذكره الطبري نحوه عن ابن زيد الطبري 22/ 55، ولم أقف على رواية عطاء عن ابن عباس.]]. وقال ابن حيان: قال الله تعالى لآدم: أتحمل هذه الأمانة وترعاها حق رعايتها؟ فقال آدم: وما لي عندك؟ قال: إن أحسنت وأطعت ورعيت الأمانة فذلك الكرامة وحسن الثواب في الجنة، وإن عصيت وأسأت فإني معذبك ومعاقبك. قال: قد رضيت ربي وتحملها، فقال الله قد حملتها فذلك قوله: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾ [[ذكره ابن أبي حاتم 10/ 3160 عن مجاهد، وابن كثير 5/ 524 وعزاه لابن أبي حاتم.]]. وقال ابن عثمان: عرضت على آدم الطاعة والمعصية وعرف ثواب الطاعة وعقاب المعصية [[لم أقف عليه. وقد ذكر القرطبي في "تفسيره" 14/ 253 نحو هذا القول عن ابن عباس.]] قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾، قال الكلبي: ظلمه حين عصى ربه فأخرج من الجنة وجهله حين احتملها [[لم أقف عليه وانظر: المصدر السابق.]]. وقال المقاتلان: ظلومًا لنفسه جهولًا بعاقبة ما تحمل [[لم أقف على قول ابن حبان، وانظر: قول ابن سليمان في "تفسيره" 96 ب.]]. وهذا معنى قول المفسرين. وقال قتادة: ظلومًا للأمانة جهولًا بحقها [[انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 430.]]. هذا الذي ذكرنا في تفسير هذه الآية مذهب الجمهور أهل التفسير، وقال السدي: الأمانة هي ائتمان آدم ابنه قابيل على أهله وولده وخيانته إياه في قتل أخيه، وذلك أن الله تعالى قال لآدم إن لي بيتًا بمكة فأته. قال آدم للسماء: احفظي ولدي بالأمانة فأبت، وقال للأرض فأبت، وقال للجبال فأبت، فقال لقابيل، قال: نعم تذهب وترجع وتجد أهلك كما يسرك، فانطلق آدم ثم رجع وقد قتل قابيل هابيل [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 56 - 57، "تفسير زاد المسير" 6/ 428.]]. وقال أبو إسحاق: حقيقة تفسير هذه الآية -والله أعلم- أن الله تعالى ائتمن بني آدم على ما افترض عليهم من طاعته، وائتمن السموات والأرض والجبال بقول: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: 11] فعرفنا الله أن السموات والأرض لم تحمل الأمانة أي: [أدتها] [[ما بين المعقوفين طمس في جميع النسخ والتصويب من "معاني القرآن وإعرابه".]] فكل من خان الأمانة فقد حملها وكذلك من أثم فقد حمل الإثم ويسمى حاملًا للإثم والسموات والأرض أبين أن يحملن الأمانة وأديتها وأداؤهما طاعتهما فيما أمر الله به وترك المعصية، وحملها الإنسان، قال الحسن: أراد الكافر والمنافق حملا الأمانة أي: خانا ولم يطيعا، قال: فهذا المعنى والله أعلم صحيح، ومن أطاع الأنبياء والصديقين والمؤمنين لا يقال ظلومًا جهولًا وتصديق ذلك ما يتلو هذا من قوله: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ﴾ [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 238 باختصار واختلاف في العبارة.]]. قال الأزهري: [وما علمت أحد شرح في هذه الآية ما شرحه أبو إسحاق قال: ومما يؤيد قوله [[في (أ): قلبه. وهو خطأ.]] في حمل الأمانة أنه خيانتها وترك أدائها قول الشاعر: إذا أنت لم تبرح تؤدي أمانة ... وتحمل أخرى أفرحتك الودائع) [["تهذيب اللغة" 5/ 93.]] [[البيت من الطويل وهو لبيهس العذري في "لسان العرب" 2/ 541 (فرح)، و"التنبيه والإيضاح" 1/ 258، "تاج العروس" 17/ 13 (فرح). وبلا نسبة في "تهذيب اللغة" 5/ 93، "المخصص" 12/ 314.]] أراد بقوله: وتحمل أخرى أي: تخونها فلا تؤدها يدلك على ذلك قوله أفرحتك الودائع أي: أثقل ظهرك الأمانات التي تخونها ولا تؤديها، قال أبو علي: وحملها الإنسان أي: لم يؤدها؛ لأن حمل الحامل الشيء إمساك له وخلاف لأدائه وكأنه لم يؤد الأمانة [["الحجة" 5/ 246.]].