الباحث القرآني

جديد: مقرئ المتون
وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ ۖ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ ۖ وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ ۖ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ
ثم ذكر ابنه سليمان وما أعطاه من الخير والكرامة، فقال: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ﴾ قال الفراء: (نصب الريح على: وسخرنا لسليمان الريح، وهي منصوبة في الأنبياء ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً﴾ [الأنبياء: 81] أضمر وسخرنا، ورفع عاصم: ولسليمان الريح، لما لم يظهر التسخير، وأنشد: ورأيتما لمجاشع نعما .... وبني أبية جاملا [[هكذا في النسخ! وهو خطأ، والصواب: جامل.]] رغب [[البيت من الكامل، ولم أهتد إلى قائله، وهو بلا نسبة في "معاني القرآن" للفراء 2/ 356 - 401، "ديوان الأدب" 1/ 358. والجامل: جماعة الجمال والنوق، اللسان (جمل) 11/ 124، والرغب: كل ما اتسع فقد رغب رغبًا، "اللسان" (رغب) 1/ 424.]] يريد رأيتم لبني أبية، فلما لم يظهر [[في النسخ: (يضمر)، والتصحيح من "معاني القرآن" للفراء.]] الفعل رفع باللام) [["معاني القرآن" 2/ 356.]]. فقال أبو إسحاق: (النصب في الريح على الوجه، على معنى: وسخرنا لسليمان الريح، ويجوز الرفع على معنى: [ثبتت] [[ما بين المعقوفين غير واضح في جميع النسخ، والتصحيح من "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج.]] له الريح، وهو يؤول إلى معنى: سخرنا كما أنك إذا قلت: لله الحمد، فتأويله: استقر لله الحمد [[في (أ): (الوحد).]]، وهو يرجع إلى معنى: أحمد الله الحمد) [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 245.]]. وقال أبو علي: (وجه النصب أن الريح حملت على التسخير في قوله ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ﴾ [ص: 36] كذلك ينبغي أن تحمل هنا عليه، ووجه الرفع أن الريح إذا سخرت لسليمان، جاز أن يقال: له الريح على معنى: له تسخير [[في (ب): (التسخير).]] الريح، فالرفع على هذا يؤول إلى معنى النصب؛ لأنه المصدر المقدر في تقدير الإضافة إلى المفعول به) [["الحجة" 6/ 10.]]. قوله تعالى: ﴿غُدُوُّهَا﴾ أي: سير غدو تلك الريح المسخرة له شهر، أي: مسيرة شهر، وعلى هذا التقدير قوله: ﴿وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ أي: سير رواحها سير شهر. قال الحسن: (كان يغدو من دمشق فيقيل باصطخر [[اصطخر: بالكسر وسكون الخاء المعجمة، والنسبة إليها اصطخري، بلدة بفارس، وهي من أعيان حصون فارس، وبها كانت قبل الإسلام خزائن الملوك، ومن أشهر مدنها: البيضاء، ومائتين، ويزد وغير ذلك، ينسب إليها جماعة وافرة من أهل العلم. انظر: "معجم البلدان" 1/ 211.]]، وبينهما مسيرة شهر للمسرع، ثم يروح من اصطخر فمِبيت بكابل [[(كابل) بضم الباء الموحدة ولام، من ثغور طخارستان، ولها من المدن: واذان وخواش وخشك وجزه، غزاها المسلمون في أيام بني مروان وافتتحوها، قلت: هي عاصمة جمهورية أفغانستان اليوم. انظر: "معجم البلدان" 4/ 426.]]، وما بينهما مسيرة شهر للمسرع) [[انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 437، "المحرر الوجيز" 4/ 408، "مجمع البيان" 8/ 598، "البحر المحيط" 8/ 526، "تفسير القرطبي" 14/ 269.]]. وقال السدي: كانت تسير في اليوم مسيرة شهرين للراكب. وهذا قول جماعة المفسرين [[انظر: المصادر السابقة.]]. قالوا: والمعنى إلى غدوها، إلى انتصاف النهار، إلى الليل مسيرة شهر. قوله تعالى: ﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾ أي: أذبنا له عين النحاس. وقال ابن عباس والسدي وشهر بن حوشب ومجاهد ومقاتل: أجريت له عين الصفر ثلاثة أيام بلياليهن كمجرى الماء في صنعاء، يعمل بها ما أحب كما يعمل بالطين، وإنما يعمل الناس اليوم بما أعطي سليمان [[انظر: "تفسير الماوردي" 437/ 4، "مجمع البيان" 8/ 598، "تفسير القرطبي" 14/ 270، "زاد المسير" 6/ 438.]]. وقوله: ﴿وَمِنَ الْجِنِّ﴾ أي: سخرنا له من الجن. ﴿مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ أي: بأمر ربه. قال مقاتل: يعني رب سليمان [[انظر: "تفسير مقاتل" 97 ب.]]. قال ابن عباس: سخرهم وأمرهم بطاعته في جميع ما يأمرهم به [[انظر: "مجمع البيان" 8/ 598، "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 429.]]. ﴿وَمَنْ يَزِغْ﴾ أي: ومن يعدل. ﴿مِنْهُمْ﴾ من الجن. ﴿عَنْ أَمْرِنَا﴾ لهم بطاعة سليمان. ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ قال مقاتل: يعني الوقود في الآخرة. وهو قول أكثر المفسرين. وقال عطاء عن ابن عباس: ﴿مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ الوقود. وهذا القول على هذا الإطلاق يحتمل ما قال بعضهم: إن هذا العذاب لمن زاغ عن أمر سليمان كان في الدنيا، وذلك أن الله تعالى وكَّلَ ملكًا بيده سوط من نار، فمن زاغ من الجن عن طاعة سليمان ضربه ضربة أحرقته [[انظر: "تفسير مقاتل" 97 ب، "تفسير الماوردي" 4/ 438، "مجمع البيان" 8/ 598، "زاد المسير" 6/ 439.]].