الباحث القرآني

فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ ۖ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ قال المفسرون: كانت الجن تخبر الإنس أنهم يعلمون الغيب الذي يكون في غد، فابتلوا بموت سليمان، فمات سليمان متكئًا على عصاه وبقي كذلك ميتًا سنة، والجن تعمل تلك الأعمال الشاقة التي كانت تعمل في حياة سليمان، لا يشعرون في موته حتى أكلت الأرضة عصا سليمان فخر ميتًا، فحينئذ علموا بموته، وعلموا الإنس أن الجن لا تعلم الغيب، فذلك قوله: ﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ قال المفسرون: يعني الأرضة [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 74، "تفسير الماوردي" 4/ 441، "بحر العلوم" 3/ 68، "تفسير الثعلبي" 3/ 242، "غرائب القرآن" 22/ 45.]]. وقوله: ﴿تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ قالوا: عصاه. قال السدي: هي بلسان الحبشة [[انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 441، "تفسير القرطبي" 14/ 278، "تفسير الطبري" 22/ 73.]]. وقال ميسرة: هي بلغة اليمن [[لم أقف عليه.]]. وقال أبو عبيدة: المنسأة التي ينساء بها الغنم [["مجاز القرآن" 2/ 145.]]. وقال الفراء: هي العصاة العظيمة التي تكون مع الراعي، أخذت من نسأت البعير: إذا زجرته ليزداد سيره [["معاني القرآن" 2/ 356.]]. وقال أبو إسحاق: المنسأة التي ينسأ بها، أي: يطرد ويزجر [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 247.]]. وقال أبو عبيدة: هي التي يضرب بها [[لم أقف عليه.]]. وقال أبو علي الفارسي: هي من نسأت الغنم، إذ سقيتها [[هكذا في النسخ! وهو خطأ، والصواب: سقتها. انظر: "الحجة" 6/ 11.]] وأنشدوا قول طرفة: أمون كألواح الأران نسأتها ... على لا حب كأنه ظهر يوجد [[في (ب): (حدد)، وهو خطأ.]] [[البيت من الطويل، وهو لطرفة بن العبد في: "ديوانه" ص22، "شعراء النصرانية في الجاهلية" 3/ 300 "لسان العرب" 1/ 173 (نسأ)، 13/ 15 (أرن)، كتاب "العين" 8/ 278. ومعنى البيت: الأمون: هي الناقة الموثقة الخلق التي يؤمن عثارها وزللها، والإران: هو النشاط ونساتها: أي حملتها على السير في هذا الطريق اللاحب هو البين، والبرجد، كساء فيه خطوط وطرائق، فشبه الطرائق بطرائق البرجد. "شرح القصائد السبع الجاهليات" ص 151.]] وقال المبرد: المنسأة: العصاة لأنها ينسأ [[في (أ): (تنسئ).]] بها الطريق، أي يقصد، يقال: نسات الناقة، إذا حملتها على الطريق، وأنشد قول طرفة) [[لم أقف على القول منسوبًا للمبرد. وانظر: "تهذيب اللغة" 13/ 84، مادة: (نسأ)، "اللسان" 1/ 169 (نسأ).]]. وأكثر القراء على همزة المنسأة. وقرأ نافع وأبو عمرو بغير همز. قال أبو عبيدة: (تركوا همزها كما ترك بعضهم همز البرنة والذرية والنبئ. قال المبرد: بعض العرب يبدل من همزتها ألف فيقول: منساة وينشدون: إذا دببت على المنساة من كبر ... فقد تباعد عنك اللهو والغزل) [[البيت من البسيط، ولم أقف على قائله، وهو في "اللسان" 169/ 1 (نسأ)، "الصحاح" 1/ 67 (نسأ)، وكذا هو في "الدر المصون" 5/ 346، "مجمع البيان" 8/ 595، بلا نسبة.]] [["مجاز القرآن" 2/ 145.]] وقال أبو علي: (قياس تخفيف الهمزة أن يجعلها بين بين، إلا أنهم خففوا همزتها على غير قياس) [["الحجة" 12/ 6.]]. قوله: ﴿فَلَمَّا خَرَّ﴾ أي: سقط ميتًا. ﴿تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ﴾ الآية. قال المفسرون: تبينت الإنس أن الجن ﴿أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾، قالوا: وكذا [[في (ب): (وكذلك).]] كان ابن عباس يقرأها، بتبينت الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 74، "تفسير الماوردي" 4/ 442، "علل القراءات" 2/ 549، "تفسير القرطبي" 14/ 281.]]. وأما معنى قراءة العامة، فقد ذكر [فيه] [[ما بين المعقوفين ساقط في (ب).]] الفراء وأبو إسحاق وجوهًا بعيدة [[انظر: هذه الوجوه في: "معاني القرآن" للفراء 2/ 357، "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 4/ 247.]]. والصحيح ما ذكر أبو عبيدة فقال: (تبينت الجن للناس، أي: تبين للناس أن الجن لا يعلمون الغيب، ما غيب عنهم لما كانوا في نصبهم وهو ميت) [["مجاز القرآن" 2/ 146.]]. ويدل على صحة هذا المعنى قراءة يعقوب: تُبِينت، بضم التاء وكسر الباء، أي: علم من حال الجن أنهم لا يعلمون الغيب. وأن على [[في (ب): (وأن في).]] قراءة العامة في محل الرفع على البدل من الجن، هذا وجه قراءة العامة. ويجوز فيه وجه آخر، وهو أن الجن كانت تتوهم أنها تعلم الغيب، فلما ابتلوا بموت سليمان ولم يقفوا عليه حتى دلتهم الأرضة، علمت أنها لا تعلم الغيب. وعلى هذا الوجه أن في موضع نصب وتبينت بمعنى علمت. وعلى الوجه الأول معناه: ظهرت وانكشفت [["مشكل إعراب القرآن" 2/ 206، "البحر المحيط" 8/ 532، "التبيان" 2/ 277.]]. وذكر ابن قتيبة الوجهين معًا [["تفسير غريب القرآن" ص 355.]]. قال أبو إسحاق: (المعنى أنهم لو كانوا يعلمون ما غاب عنهم، ما عملوا مسخرين لسليمان وهو ميت، وهم يظنون أنه حي يقف على عملهم) [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 247.]]. قال مقاتل: العذاب المهين: الشقاء والنصب في العمل [[انظر: "تفسير مقاتل" 97 أ.]].