الباحث القرآني

جديد: مقرئ المتون
لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ ۖ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ ۖ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ ۚ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ
قوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ﴾ ذكر الكلام والقراءة في سبأ في سورة النمل [[عند قوله تعالى: ﴿فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ آية: 22. قال: قرئ من سبأ بالإجراء والتنوين. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو غير مجرى. قال الفراء: من أجراه فلأنه فيما ذكروا رجل.]]. وذكر المفسرون هاهنا ما روي عن فروة بن مسيك [[هو: فروة بن مسيك، وقيل: مسيكة بن الحرث بن سلمة المرادي القطيعي، أبو عمر، له صحبة، وقد على النبي -ﷺ- سنة عشر من الهجرة، فأسلم، فبعثه على == مراد وزبيد ومذحج، وقد روى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه الشعبي وأبو سبرة النخعي وغيرهم. انظر: "الاستيعاب" 3/ 194، "الإصابة" 3/ 200.]] أن رجلاً قال: يا رسول الله، أخبرنا عن سبأ ما هو، رجل أم امرأة أم أرض؟ فقال: "ليس بأرض ولا امرأة، ولكنه رجل ولد له عشرة من العرب، فتيامن ستة وتشام أربعة، فأما الذين تساموا فلخم وجذام وغسان وعاملة، وأما الذين تيامنوا فكندة والأشعريون والأزد ومدلج وحمير وأنمار". فقال رجل: ما أنمار يا رسول الله؟ قال: "الذين منهم خثعم وبجيلة" [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 76، "تفسير الماوردي" 4/ 203، "مجمع البيان" 8/ 604. وأخرجه أحمد في "مسنده" 1/ 316، من حديث ابن عباس إلا أنه قال: سأل رجل النبي -ﷺ-، والترمذي في "سننه" كتاب التفسير: تفسير سورة سبأ 5/ 39، وقال: هذا حديث غريب حسن، رقم الحديث (3275)، والحاكم في "المستدرك" في تفسير سورة سبأ 2/ 424، وصححه ووافقه عليه الذهبي.]]. وقال مقاتل: هو رجل من يشجب بن يعرب بن قحطان، يقال: سبأ بن يشجب، والمراد بسبأ هاهنا: القبيلة [[انظر: "تفسير مقاتل" 98 أ.]]. قوله: (في مساكنهم) وقرئ: مسكنهم، على الواحد، بفتح الكاف وبكسرة [[انظر: "النشر" 2/ 350، "حجة القراءات" ص 585.]]. قال أبو علي: (الوجه الجمع؛ ليكون اللفظ موافقًا للمعنى؛ لأن لكل [[في (ب): (كل)، وهو خطأ.]] ساكن مسكنًا [[في (ب): (مسكن).]]، ومن قال: مسكنهم، أي: يكون جعل المسكن مصدرًا وحذف المضاف، والتقدير: في مواضع سكناهم [[في (ب): (مسكنهم).]]، فلما جعل المسكن كالسكنى أفرد كما يفرد المصادر، وهذا أشبه من أن يحمله على نحو: كلوا في بعض بطنكم، وجلد الجواميس، وعلى هذا قوله: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ [القمر: 55] أي: مواضع قعود، ألا ترى أن لكل واحد من المتقين موضع قعود، وهذا التأويل أشبه من أن يحمله على الآخر الذي لا يكاد يجيء إلا في شعر، وأما كسر الكاف؛ فاسم المكان والمصدر من هذا الجنس الذي هو فعل يفعل مفتوحًا، مثل: المحشر ونحوه، وقد يشذ عن القياس المطرد، هكذا وكالمسجد، وسيبويه يحملها على أنه اسم البيت وليس المكان، من فعل يفعل، وكذلك المطلع، والقياس: الفتح) [["الحجة" 6/ 12 - 14.]]. وقال أبو الحسن: المسكن بكسر الكاف لغة فاشية، وهي لغة الناس اليوم، والفتح لغة أهل الحجاز، وهي اليوم قليلة [[انظر: "مجمع البيان" 8/ 603، "البحر المحيط" 8/ 533.]]. وقال الفراء: هي لغة يمانية فصيحة [["معاني القرآن" 2/ 357.]]. قال المفسرون: وكانت مساكنهم بمأرب من اليمن [[انظر: "تفسير القرطبي" 14/ 238.]]. يدل عليه قول النابغة: من سبأَ الحاضرينَ مأربَ إذْ ... يبنونَ من دونِ سيلهِ العَرِما [[البيت من المنسرح، وهو للنابغة الجعدي في "ديوانه" ص 134، "الكتاب" 3/ 253، "جمهرة اللغة" ص 773، "سمط الآلئ" ص 18، "اللسان" 1/ 396 مادة: (عرم).]] قوله: ﴿آيَةٌ﴾ أي: علامة تدلهم على قدرة الله، وأن المنعم عليهم هو الله، ثم ذكر تلك الآية فقال: ﴿جَنَّتَانِ﴾. قال الفراء: جنتان مرفوعتان؛ لأنهما تفسير للآية [["معاني القرآن" 2/ 358.]]. وذكر الزجاج وجهًا آخر فقال: كأنه لما قيل: آية، قيل: الآية جنتان) [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 248.]]، وعلى هذا ارتفع بخبر الابتداء المحذوف. قوله تعالى: ﴿عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾ أي: يمنة وسرة. قال مقاتل: عن يمين الوادي وعن شماله [[انظر: "تفسير مقاتل" 98 أ.]]. وقال الآخرون: عن يمين من أتاهما وشماله [[انظر: "بحر العلوم" 3/ 70، "مجمع العلوم" 8/ 604، "تفسير القرطبي" 14/ 248.]]. وقال الفراء: أراد عن أيمانهم وشمائلهم [["معاني القرآن" 3/ 358.]]. والمعنى أن الجنتين أحاطت بهم وبمساكنهم يمنة ويسرة. قوله: ﴿كُلُوا﴾ قال أبو إسحاق: المعنى: قيل لهم ذلك [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 248]]. وقوله: ﴿مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ﴾ يعني: ثمار الجنتين. قال السدي وأهل التفسير: كانت المرأة تخرج، فتحمل مكتلًا على رأسها وتمر في البستان فتملأ مكتلها من ألوان الفاكهة، من غير أن تمس شيئًا بيدها [[أورده المؤلف في "الوسيط" 3/ 490 عن السدي، وابن أبي حاتم 10/ 3165 عنه كذلك، و"تفسير الطبري" 22/ 77 عن قتادة، والطبرسي في "مجمع البيان" 8/ 604، ولم ينسبه.]]. قوله: ﴿وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ أي: على ما رزقكم من النعمة، والمعنى: اعملوا بطاعته إذ أنعم عليكم بما أنعم، وهاهنا تم الكلام. ثم ابتدأ فقال: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ﴾. قال أبو إسحاق: المعنى: هذه بلدة طيبة [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 248.]]. قال مقاتل: أرض سبأ بلدة طيبة؛ لأنها أخرجت ثمارها [[انظر: "تفسير مقاتل" 98 أ.]]. فعلى هذا طيبها: كثرة ثمارها. وقال الفراء: ليست بسبخة [["معاني القرآن" 2/ 358.]]. وقال ابن زيد: ليس فيها شيء مؤذ، من بعوضة أو ذباب. قال: ولم يكن يرى في بلدهم بعوض ولا ذباب ولا برغوث ولا عقرب، ويمر الغريب في بلدهم وفي ثيابه القمل فتموت كلها. وعلى هذا طيبها: طيب هوائها [[أخرجه ابن أبى حاتم في "تفسيره" 10/ 3165 عن ابن زيد، وذكره المؤلف في "الوسيط" 3/ 490 عنه كذلك.]]. قوله: ﴿وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ أي: والله رب غفور. قال مقاتل: وربكم إن شكرتم فإما رزقكم رب غفور للذنوب [[انظر: "تفسير مقاتل" 98 ب.]].