الباحث القرآني

فَأَعۡرَضُوا۟ فَأَرۡسَلۡنَا عَلَیۡهِمۡ سَیۡلَ ٱلۡعَرِمِ وَبَدَّلۡنَـٰهُم بِجَنَّتَیۡهِمۡ جَنَّتَیۡنِ ذَوَاتَیۡ أُكُلٍ خَمۡطࣲ وَأَثۡلࣲ وَشَیۡءࣲ مِّن سِدۡرࣲ قَلِیلࣲ
قوله: ﴿فَأَعْرَضُوا﴾ قال مقاتل: عن الحق [[المصدر السابق.]]. وقال ابن عباس: يريد فكفروا وكذبوا أنبيائهم [[انظر: "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 360.]]. ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ قال المفسرون: كان الماء يأتي أرض سبأ من الشجر وأودية اليمن، فردموا ردمًا بين جبلين وحبسوا الماء، وجعلوا في ذلك الردم ثلاثة أبواب بعضها فوق بعض، وكان يسقون من الباب الأعلى ثم من الثاني ثم من الثالث، فأخصبوا وكثرت أموالهم، فلما كذبوا رسلهم بعث الله جرذًا نقب ذلك الردم حتى انتقض، فدخل الماء جنتهم ففرقها، ودفن السيل بيوتهم [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 79، "القرطبي" 14/ 285، "مجمع البيان" 8/ 605.]]، فذلك قوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾. واختلفوا في العرم ما هو؟ فأكثر المفسرين على أن العرم: السكر [[قال في "اللسان" 4/ 375: سكر النهر يسكره سكرًا، سد فاه، وكل شق سد فقد سكر، والسكر ما سد به، والسكر: أيضًا المسناة. اهـ والمسناة بلغة أهل اليمن.]] والمسناة، وهي التي تحبس الماء [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 79، "تفسير القرطبي" 14/ 285، "زاد المسير" 6/ 445، "معاني القرآن" النحاس 5/ 407.]]. قال السدي وأبو ميسرة: أهل اليمن يسمون المسناة العرم [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 79، "المحرر الوجيز" 4/ 414، "البحر المحيط" 8/ 533، ولم أقف على من نسبه للسدي.]]. وهو اختيار الفراء [["معاني القرآن" 2/ 358.]]، وابن قتيبة [["تفسير غريب القرآن" ص 355.]]، والمبرد، قال: العرم جمع عرمة، وهي الحاجز بين الشيئين، يسمى السكر [["الكامل" 3/ 1033.]]، واحتجوا بقول الجعدي [[هو النابغة الجعدي، وقد سبق التعريف به، وتخريج البيت كذلك.]]: إذ يبنون دون سيله العرما وقال مقاتل: العرم اسم الوادي [[انظر: "تفسير مقاتل" 98 ب.]]. وقال ابن الأعرابي: العرم السيل الذي لا يطاق [[انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 390 مادة: (عرم).]]. وعلى هذا دل كلام ابن عباس، قال: [يريد] [[ما بين المعقوفين مكرر في (ب).]] لا يمر بشيء إلا غرقه [[ذكر المفسرون تفسير ابن عباس للعرم بأنه الشديد. انظر: "تفسير الطبري" 22/ 80، "المحرر الوجيز" 4/ 414، "زاد المسير" 6/ 445.]]. وقال مقاتل: العرم اسم الوادي [[انظر: "تفسير مقاتل" 98 ب.]]. وحكى أبو إسحاق في العرم قولين آخرين: أحدهما: أن العرم اسم الجرذ الذي بنوا [[هكذا في النسخ! وهو خطأ، إذ الصواب: الجرذ الذي ثقب السكر عليهم. انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 248.]] للسكر عليهم، وهو الذي يقال له: الخلد، وذكر ابن الأعرابي أن العرم من أسماء الفأر [[انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 391.]] الثاني: أن العرم هو المطر الشديد [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 248.]]. وأصل هذا كله من العرامة، وهي الشدة، ومثله: العرام، ورجل عارم: شديد لا يطاق [[انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 390، "اللسان" 2/ 395.]]. قوله تعالى: ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ قال ابن عباس: يريد اللتين كان فيهما الفواكه والثمار. ﴿ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ قال ابن عباس: يريد الأراك. وهو قول مجاهد وقتادة ومقاتل والسدي، قالوا: الخمط: الأراك [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 81، "القرطبي" 14/ 286، "زاد المسير" 6/ 446.]]. قال قتادة: وأكله البرير [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 81، "تفسير هود بن محكم" 3/ 394، "زاد المسير" 6/ 446 والبرير: هو ثمر الأراك. انظر: "اللسان".]]. وقال أبو عبيدة: الأكل الجني، والخمط: كل شجرة [ثمرة] [[ما بين المعقوفين لعلها زيادة من النساخ، إذ ليست من كلام أبي عبيدة.]] ذات شوك [["مجاز القرآن" 2/ 147.]]. ونحو هذا قال ابن قتيبة، فإن الأكثرين على أن الخمط اسم شجرة [[" تفسير غريب القرآن" ص 356.]]. وإذا كان كذلك، فالأحسن قراءة من لم ينون الأكل وأضافه، وذلك أن الأكل إذا كان الجناء، فإن جنا [[في (ب): (الجنا).]] كل شجرة منه، والتنوين في هذا ليس في حسن الإضافة، وذلك؛ لأن [[في (ب): (أن).]] الخمط إنما هو اسم شجرة وليس بوصف للأكل، وإذا [[في (ب): (وإذا كان) زيادة كان، وهو خطأ.]] لم يكن وصفًا، لم يجر على ما قبله كما يجري على الموصوف، والتبدل ليس بالسهل أيضًا؛ لأنه ليس هو ولا بعضه؛ لأن الجنا من الشجرة وليس الشجرة من الجنا [[انظر: "علل القراءات" 2/ 551 "مجمع البيان" 8/ 603، "البحر المحيط" 8/ 536.]]. قال أبو الحسن: (في كلام العرب أن يضيفوا ما كان من نحو هذا، مثل: دار آجر، وثوب خز. قال: و ﴿أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ بالتنوين، ليس بالجيد في العربية) [[انظر: "مجمع البيان" 8/ 603، "تفسير القرطبي" 14/ 287.]]. واختار أبو عبيد التنوين، قال: لأن الأكل هو الخمط في التفسير، فالنعت أولى به من الإضافة، هذا قول أبي عبيد [[لم أقف عليه. وقد ذكره النحاس في "إعراب القرآن" ص 664، وأنه اختيار المبرد.]]. والمفسرون على خلاف ما قال، فإنهم جعلوا الخمط الشجر لا الأكل [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 81، "تفسير هود بن محكم" 3/ 394، "بحر العلوم" 3/ 70، "زاد المسير" 6/ 446.]]. وقد قال ابن الأعرابي: الخمط ثمر شجر يقال له: فوه الضبع، على سورة الخشخاش، ينفرك ولا ينتفع به [[انظر: "تهذيب اللغة" 7/ 260، "اللسان" 7/ 296، "روح المعاني" 22/ 127.]]. قال أبو إسحاق: (يقال لكل نبت قد أخذ طعمًا من المرارة حتى لا يمكن أكله: خمط) [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 249.]]. ونحو هذا قال المبرد. ومنه قيل للبن إذا أحمض: خمط [[انظر: "تفسير القرطبي" 14/ 286، "إعراب القرآن" للنحاس ص 464.]]. فهؤلاء جعلوا الخمط اسمًا للمأكول، فيصح على هذا التنوين في الأكل. قوله: ﴿وَأَثْلٍ﴾ قال مقاتل: يعني شجرة تشبه الطرف، يتخذ منه الأقداح [[انظر: "تفسير مقاتل" 98 ب.]]. وقال الفراء: الأثل شبه بالطرف، إلا أنه أعظم منه طولا [["معاني القرآن" 2/ 359.]]. قال الأزهري: (هو يشبه الطرف إلا أنه أكرم منه، تسوى منه الأقداح الصفر الجياد، ومنه اتخذ منبر النبي -ﷺ-، وللأثل أصول غليظة يسوى منها الأبواب وغيرها، وورقه عبل كورق الطرف) [[انظر: "تهذيب اللغة" 15/ 132.]]. قال ابن الأعرابي: والأثيل منبت الأراك [[انظر: قول ابن الأعرابي في "تهذيب اللغة" 15/ 131.]]. قوله: ﴿وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ قال الأزهري: (السدر من الشجر سدران: أحدهما: سدر بري لا ينتفع بثمره، ولا يصلح ورقه للغسول، وربما خمط للراعية، وله ثمر عفص لا يؤكل، والعرب تسميه الضال. والجنس الثاني من السدر ينبت على الماء، وثمره النبق، وورقه غسول، يشبه شجر العناب إلا أن ثمره أصفر مر يتفكه به) [[انظر: "تهذيب اللغة" 12/ 353.]]. وقال الفراء: ذكروا أنه الثمر [[هكذا في النسخ! ولعل الصواب: السمر، واحدته سمرة. "معاني القرآن" 2/ 359.]]. وقال مقاتل: ثمرة السدر النبق [[انظر: "تفسير مقاتل" 98 ب.]]. وقال السدي: هذا السدر قليل، يعني: أن الخمط والأثل كانا أكثر في جنتيهم من السدر [[لم أقف عليه منسوبًا للسدي. وذكره المؤلف في "الوسيط" 3/ 491، و"الطبرسي في مجمع البيان" 8/ 605، وابن الجوزي في "زاد المسير" 6/ 446، بدون نسبة.]]. قال قتادة في الآية: بينما شجر القوم من خير الشجر، إذ صيره الله من شر الشجرة [[انظر: المصادر السابقة، و"تفسير القرطبي" 14/ 287.]].
  1. أدخل كلمات آية ما لتظهر نتئاج.