الباحث القرآني

فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ
قال المفسرون: ثم إنهم سئموا الراحة وبطروا النعمة، وكرهوا ما كانوا فيه من الخصب [[في (ب): (الحطب)، وهو خطأ.]] والسعة في كفاية القدح في المعيشة كقوم موسى حين قالوا: ﴿فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ إلى قوله: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ [البقرة: 61] وهؤلاء من جملة من دخل في قوله: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ [القصص: 58] فلم يشكروا ربهم، وسألوا أن تكون القرى والمنازل بعضها أبعد من بعض ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ أي: اجعل بيننا وبين الشام فلوات ومفاوز؛ لنركب إليها الرواحل ونتزود الأزواد. وقرئ: ﴿بَعَّد﴾، وهو مما فيه وفعل بمعنى واحد كقولك: ضاعِف وضعِّف، وكذلك خلافه [[في (ب): (خلاف).]] قارب وقرب. ومعنى قراءة من قرأ على الخبر: ﴿رَبَّنَا بَاعِدْ﴾، أنهم استبعدوا سفرهم على قرية بطرا وأشرا، وقراءة العامة معناها الدعاء وسؤال الله أن يبعد بين أسفارهم [["الحجة" 6/ 19.]]. وقوله ﴿وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ قال ابن عباس: بكفرهم وتكذيبهم أنبيائهم [[انظر: "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 360.]]. ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ يريد لعن بعدهم، يتحدثون بأمرهم وشأنهم. ﴿وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ مزقناهم في كل وجه من البلاد كل التفريق، وذلك أن الله تعالى لما غرق مكانهم وأذهب جنتيهم تبددوا في البلاد فصارت العرب تتمثل بهم في الفرقة، فيقولوا: تفرقوا أيدي سبأ وأيادي سبأ [[هذا مثل للعرب، يضرب للقوم إذا تفرقوا. انظر: "مجمع الأمثال" 2/ 4.]]. قال الشاعر: من صادر أو وارد أيدي سبأ [[شطر بيت لم أقف على تمامه ولا قائله، وهو في "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 251، "اللسان" 1/ 94 بلا نسبة.]] وقال كثير: أيادي سبأ يا عز ما كنت بعدكم ... فلم يحل بالعينين بعدك منظر [[البيت من الطويل، هو لكثير عزة في "ديوانه" ص 328، "شرح شواهد المغني" 2/ 687، "اللسان" 1/ 94.]] ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ يعني فيما فعل بسبأ. ﴿لَآيَاتٍ﴾ عبرًا ودلالات. ﴿لِكُلِّ صَبَّارٍ﴾ قال ابن عباس: عن معاصي الله، (شكور) لأنعم الله [[لم أقف عليه منسوبًا لابن عباس، وقد أورده المؤلف في "الوسيط" 3/ 493، "تفسير الماوردي" 4/ 446، "تفسير القرطبي" 14/ 291 بدون نسبة.]]. وقال مقاتل: يعني المؤمن من هذه الأمة صبور على البلاء، إذا ابتلي شاكر لله على نعمه [[انظر: "تفسير مقاتل" 98 ب.]].