الباحث القرآني

وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ۚ حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ ۖ قَالُوا الْحَقَّ ۖ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ
وقوله: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ﴾ يعني: شفاعة الملائكة. ﴿عِنْدَهُ﴾ عند الله [[انظر: "تفسير مقاتل" 99 أ.]]. ﴿إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ قرئ: بضم الهمزة وفتحها، فمن فتح بني الفعل للفاعل، وأسنده إلى ضمير اسم الله؛ لقوله تعالى: ﴿لَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾، ومن ضم الهمزة بني الفعل للمفعول وهو يريد هذا المعنى [[انظر: "علل القراءات" 2/ 553، "حجة القراءات" ص 589.]]. والآذن في القراءتين هو الله تعالى، كقوله: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ والمجازي في الوجهين هو الله تعالى. قال الفراء: أي لا تنفع شفاعة ملك مقرب ولا نبي حتى يؤذن له في الشفاعة، ويقال: حتى يؤذن له فيمن يشفع، فيكون (من) للمشفوع له [["معاني القرآن" 2/ 361.]]. وذكر أبو إسحاق أيضًا الوحهين جميعًا فقال: ويجوز أن يكون [من] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ).]] في قوله: ﴿إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ للشافعين؛ لأنه كنى عنهم بقوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ والذين فزع عن قلوبهم هاهنا الملائكة، هذا كلامه. وتقدير الوجهين: إلا لمن أذن له في أن يشفع إذا كان (من) للشافع، وإن جعلت (من) للمشفوع فالتقدير: إلا لمن أذن له في أن يشفع له [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 252.]]. وكلام المفسرين في هذه الآية يدل على أن (من) للمشفوع له؛ قال ابن عباس: يريد لا تشفع الملائكة إلا لمن وحد الله [[انظر: "الوسيط" 3/ 294، "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 431.]] كقوله في الأنبياء ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: 28]. وقال مقاتل: لا تنفع شفاعة الملائكة عنده لأحد إلا لمن أذن له أن يشفعوا له من أهل التوحيد. قال: ثم أخبر عن خوف الملائكة [[انظر: "تفسير مقاتل" 99 أ.]] فقال: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ وقُرِئ: فَزَع، بفتح الفاء والزاي. قال أبو عبيدة: ﴿فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾: نفس عنها [["مجاز القرآن" 2/ 147.]]. وقال الفراء وأبو إسحاق: فزع: كشف الفزع عن قلوبهم، وفزع: كشف الله الفزع عن قلوبهم [["معاني القرآن" 2/ 361، "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 253.]]. ومعنى القراءتين سواء كما ذكرنا في أذن وأذن [[سورة الحج: الآية 27. قال: معنى التأذين: النداء والتصويت للإعلام، ثم أحال على قوله ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ﴾، وقوله: ﴿أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ﴾.]]. والتفزيع يريد المعنيين: أحدهما: إزالة التفزيع بالتمريض [[في "الوسيط": والتفزيع إزالة الفزع كالتمريض. فلعل ما أثبت هنا خطأ، والصواب ما بينته من الوسيط.]]، وقد جاء مثل هذا في أفعل، قالوا: أشكاه [[في (ب): (مشكاه).]] إذا أزال عنه ما يشكوه، ويقال: فزعه وأفزعه، إذا روعه. قال ابن عباس: يريد سوى عن قلوبهم [[ذكر بعض المفسرين قول ابن عباس: جلي عن قلوبهم. انظر: "الماوردي" 4/ 484، "القرطبي" 14/ 295.]]. وقال قتادة والكلبي: جلي عن قلوبهم [[لم قف عليه منسوبًا لهما،، وقد نسبه الطبري 22/ 90 لابن عباس.]]. وقال مقاتل: انجلى الفزع من قلوبهم [[انظر: "تفسير مقاتل" 99 أ.]]. وهو معنى وليس بتفسير. وأما معنى الآية روي عن أبي هريرة أن النبي -ﷺ- قال: "إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله كأنه سلسلة على صفوان فـ ﴿إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ الآية" [[الحديث أخرجه البخاري في "صحيحه" كتاب: التفسير: تفسير سورة سبأ 4/ 1804 رقم الحديث (4522) وتمامه: "فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال: الحق وهو العلي الكبير، فيسمعها مسترق السمع" الحديث، وأخرجه الترمذي في "سننه" كتاب التفسير: تفسير سورة سبأ 5/ 40، رقم الحديث (3276)، وقال: هذا حديث حسن صحيح.]]. وروي عن أنس بن سمعان [[هكذا ورد في (أ)، وفي (ب): (أنس سمعان)، وهو خطأ، والصواب هو: النواس بن سمعان، فهو راوي هذا الأثر، ولم أجد فيما عندي من مراجع راويا لهذا الحديث بهذا الاسم. والنواس بن سمعان هو: النواس بن سمعان بن خالد بن عمرو بن قرط العامري الكلابي، ويقال: الأنصاري، له صحبة، روى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه جبير بن نفير الخضرمي وأبو إدريس الخولاني. يقال: إن أباه سمعان وفد على النبي -ﷺ- وأهدى إليه نعليه فقبلهما وزوج أخته من النبي -ﷺ-، ويقال: إنه لما دخل بها تعوذت منه فتركها، وهي الكلابية، والله أعلم. انظر: "الاستيعاب" 3/ 539، "الإصابة" 3/ 549، "أسد الغابة" 5/ 45]] أنه قال: إذا تكلم الله بالوحي أخذت السموات منه رعدة شديدة خوفًا من الله، فإذا سمع ذلك أهل السموات صعقوا [[في (ب): (ضعفوا).]] وخروا لله سجدا، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل، فيكلمه الله بما أراد من وحيه، فيمضي به جبريل على الملائكة سماء سماء، كلما مر بأهل سماء سأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبريل. فيقول: الحق [[أورده الثعلبي في "تفسيره" 3/ 219.]]. وروى الزهري عن أبي إدريس [[هو: أبو إدريس عائذ الله بن عبد الله، ويقال فيه: عيذ الله بن إدريس بن عائذ الخولاني، تقدمت ترجمته.]] قال: إذا تكلم الله جل ثناؤه وجدت السموات ومن فيهن رجفة، حتى إذا ذهب ذلك عنها نادى بعضهم بعضًا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق، فذلك قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ [[لم أقف عليه عن أبي إدريس من طريق الزهري. وقد أورد الثعلبي في "تفسيره" 3/ 219 أ، هذا الأثر من طريق الأعمش عن مسلم عن مسروق عن عبد الله.]]. وقال ابن عباس: إذا تكلم الله بالوحي، يسمع أهل السموات صوتا كصوت الحديد على الصفا، فيخرون سجدًا لذلك، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا ... [[أورده السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 697، وعزاه لابن أبي حاتم عن ابن عباس.]] الآية. ونحو هذا قال ابن مسعود [[الأثر المروي عن ابن مسعود -رضي الله عنه- أخرجه بو داود في "سننه" كتاب: السنة، باب: في القرآن 4/ 235، رقم الحديث (4738)، و"الطبري" 22/ 90. وأورده السيوطي في "الدر" (6/ 699) وزاد نسبته لسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ في العظمة وابن مردويه والبيهقي.]]. وقال قتادة والكلبي: لما كانت الفترة التي بين عيسى ومحمد عليهما السلام وبعث الله محمدًا، أنزل الله جبريل بالوحي، فلما نزل، ظنت الملائكة أنه نزل بشيء من الساعة فصعقوا لذلك، فجعل جبريل يمر بكل سماء ويكشف عنهم الفزع يرفعوا رؤوسهم [[هكذا جاء الكلام في النسخ! وفيه اضطراب، والصواب: فيرفعون رؤوسهم ويقول بعضهم لبعض. انظر: "تفسير القرطبي" 14/ 197.]]، وقال بعضهم لبعض: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق، يعني الوحي [[ذكره النحاس في "معاني القرآن" 5/ 417، وابن الجوزي في "زاد المسير" 6/ 453، و"القرطبي" 14/ 297.]]. ونحو هذا قال مقاتل [[انظر: "تفسير مقاتل" 99 أ.]] سواء. وعلى هذا إنما يكون فزعهم من هول قيام الساعة. وهو اختيار الفراء، والزجاج [["معاني القرآن" 2/ 361، "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 253.]]. وعلى ما ذكرنا أولاً إنما فزعوا للوحي. هذا مذهب المفسرين في هذه الآية. ويبقى إشكال في النظم، وهو أن قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ كيف يليق بما تقدم من الكلام، وأين الخبر عن فزعهم حتى يذكر زوال الفزع؟ قال صاحب النظم: لا يكاد يكون حتى إلا متصلة بخبر قبلها، ولم يتقدم هاهنا في الظاهر شيء تكون هي معطوفة عليه فهي في الظاهر منقطعة مما قبلها ومبتدأة، وهي في الباطن متصلة بمعنى متقدم مضمر، ومعنى فزع عن قلوبهم قد جاء في التفسير أخرج منها الفزع، فهذا دليل على أنه يصيبهم فزع شديد من شيء يحدث عليهم من أقدار الله -عز وجل-، ولم يقل الله حتى إذا فزع عن قلوبهم إلا وهم يفزعون. هذا كلامه. وشرح هذا أن حتى هاهنا منقطع في اللفظ عما قبله، وقد ذكرنا جواز هذا عند قوله: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ [[سورة يونس: الآية 110.]]، وهو في المعنى متصل بمضمر دل عليه الظاهر، وذلك أن فزع معناه: أخرج الفزع، وإخراج الفزع يدل على حصوله وحدوثه، فكأنه قد ذكر فزعهم من الوحي أو من هول قيام الساعة على ما ذكر المفسرون حتى إذا أزيل ذلك الفزع قالوا: ماذا قال ربكم. ومعنى الآية: أن الله أعلمهم أن الملائكة الذين يعبدونهم بهذه الحال من الخوف والفزع، كيف يعبدون من هو بهذه الصفة. أفلا يعبدون من تخافه الملائكة؟! ومذهب مجاهد والحسن وابن زيد في هذه الآية: أن الكناية في قوله: ﴿عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ للمشركين، يقول: حتى إذا كشف الفزع عن قلوبهم في الآخرة إقامة الحجة عليهم، قالت الملائكة لهم: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ في الدنيا ﴿قَالُوا الْحَقَّ﴾ فأقروا حين لا ينفعهم [[انظر: "تفسير مجاهد" ص 527، "الطبري" 22/ 92، "الماوردي" 4/ 438، "القرطبي" 14/ 297.]]. وعلى هذا القول أيضًا وجه النظم ما ذكر. وقوله: ﴿الْحَقَّ﴾ قال الزجاج وأبو علي: التقدير: قالوا: قال الحق [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 253]]. ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾، قال مقاتل: يعني الرفيع الذي فوق خلقه، الكبير العظيم فلا شيء أعظم منه [[انظر: "تفسير مقاتل" 99 أ.]].