الباحث القرآني

قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ ۖ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ۚ مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾ أي: آمركم وأوصيكم، أمر الله نبيه -ﷺ- قال الزجاج: [أمره] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ).]] أن يقول لقومه: ﴿إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾ [[المصدر السابق.]] قال مجاهد: لا إله إلا الله [[انظر: "زاد المسير" 6/ 464، "القرطبي" 14/ 311. وأورده السيوطي في "الدر" 6/ 710 وعزاه للفريابي وعبد بن حميد.]]. وروي ذلك عن ابن عباس [["تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 433.]]. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: بطاعة الله [[انظر: "تفسير مجاهد" ص 528، "الطبري" 22/ 104، "الماوردي" 4/ 455، "زاد المسير" 6/ 465.]]. وقال مقاتل: بكلمة واحدة الإخلاص [[انظر: "تفسير مقاتل" 100 ب.]]. وقال أبو إسحاق: والطاعة تتضمن التوحيد والإخلاص، أي: فأنا أعظكم بهذه الخصلة الواحدة [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 256.]]. وقوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُومُوا﴾ يصلح أن يكون محل (أن) خفضًا على البدل من واحدة، ويصلح أن يكون نصبًا، على تقدير: لأن تقوموا، فحذفت اللام، وهو قول الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 257.]]. ويصلح أن يكون رفعا بتقدير: هي أن تقوموا لله مثنى وفرادى، تقوموا منفردين ومجتمعين ثم تتفكروا، أي: الواحدة التي أعظكم بها قيامكم وتشمركم لطلب الحق بالفكرة مجتمعين ومنفردين [["إملاء ما من به الرحمن" 2/ 198، "البحر المحيط" 8/ 560.]]. وتم الكلام عند قوله: ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ لتعلموا صحة ما أمرتكم به. قال مقاتل: يقول: ألا يتفكر الرجل منكم وحده ومع صاحبه، فينظر أن في خلق السموات والأرض دليلًا على أن خالقها واحد لا شريك له [["تفسير مقاتل" 100/ ب.]]. ثم ابتدأ فقال: ﴿مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ هذا معنى قول المفسرين في هذه الآية. وأما أصحاب المعاني فإنهم جعلوا الآية متصلة. قال الفراء: أي يكفيني أن يقوم الرجل منكم وحده أو هو وغيره، ثم تتفكروا هل جربتم على محمد كذبًا أو رأيتم به جنونًا، ففي ذلك ما يتيقنون به أنه بني [["معاني القرآن" 2/ 263]]. وقال أبو إسحاق: المعنى: ثم تتفكروا فتعلموا أن النبي -ﷺ- ما هو بمجنون كما يقولون [[في (أ): (يقولون)، وهو تصحيف.]] [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 257.]]. وعلى هذا الآية نظمها منفصل، ومعنى قوله. بواحدة، أي: بخصلة واحدة، وهو معنى قول الفراء: يكفيني أن يقوم الرجل منكم وحده أو هو وغيره. وشرح ابن قتيبة الآية على هذا المعنى شرحًا شافيًا فقال: (تأويله أن المشركين قالوا: إن محمدًا مجنون وساحر وأشباه هذا، فقال الله لنبيه -ﷺ-: قل لهم: اعتبروا أمري بواحدة، وهي أن تنصحوا لأنفسكم ولا يميل بكم هوى عن الحق، فتقوموا لله وفي ذاته مقامًا يخلو فيه الرجل بصاحبه فيقول له: هلم فلنتصادق هل بهذا الرجل جنة قط أو جربنا عليه كذبًا؟ وهذا موضع قيامهم مثنى، ثم ينفرد كل واحد عن صاحبه فيتفكر وينظر ويعتبر (فهذا موضع فرادى، [فإن] [[ما بين المعقوفين بياض في (ب).]] في ذلك ما دلهم على أنه نذير، وكل من يخبر في أمر قد) [[ما بين القوسين مكرر في (أ).]] اشتبه عليه [واستبهم] [[ما بين المعقوفين بياض في (ب).]] أخرجه من الحيرة فيه: أن يسأل ويناظر، ثم يتفكر ويعتبر انتهى كلامه) [["تأويل مشكل القرآن" ص 312 - 313.]]. ومعنى القيام [هاهنا] [[ما بين المعقوفين بياض في (ب).]] التجرد والانكماش لطلب الحق، كما يقال: قام فلان بهذا الأمر، إذا تجرد [لكفايته] [[ما بين المعقوفين بياض في (ب).]]. ونظير هذه الآية في اللفظ والمعنى قوله في سورة الأعراف: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [[آية 184.]] وقد مر الكلام فيه. والقراء أيضًا مختلفون في الوقف على قوله: ﴿وَاحِدَةٍ﴾، وكان نافع يرى الوقف عندها، وغيره لا يرى ذلك. وكذلك قوله ثم تتفكروا، كان أبو حاتم يقول: هو تمام، وهو على المذهب [[في (أ): (مذهب)، وهو تصحيف.]] الأول في تفسير الآية [[انظر: "القطع والإئتناف" ص 345، "منار الهدى في الوقف والابتداء" ص 227.]]. قوله: ﴿بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ قال ابن عباس: يريد بين يدي القيامة [[انظر: "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 433.]]. وقال مقاتل: بين يدي عذاب شديد في الآخرة [[انظر: "تفسير مقاتل" 100 ب.]].