الباحث القرآني

جديد: مقرئ المتون
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: منكري البعث. قال أبو إسحاق: (هذا قول المشركين الذين لا يؤمنون بالبعث، قال بعضهم لبعض: هل ندلكم على محمد الذي يزعم أنكم تبعثون بعد أن تكونوا عظامًا ورفاتًا وترابًا) [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 241.]]. وهذا الذي ذكره موافق لما قاله المفسرون [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 60، "تفسير الماوردي" 4/ 434، "مجمع البيان" 8/ 593، "بحر العلوم" 3/ 66]]. ومعنى: ﴿إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ [[(إذا) ساقط من (أ).]] إذا صار [[هكذا في النسخ! ولعل الصواب: إذا صرتم.]] قطعًا باليًا، قال: فرقتم كل تفريق وقطعتم كل تقطيع، والمزف خرف الأشياء، والتمزيق تفعيل منه، يقال: ثوب مزيق ممزوق متمزق ممزق إذا صار قطعًا باليًا [[انظر: "تهذيب اللغة" (مزق)، "اللسان" 10/ 342 (مزق).]]. قال ابن عباس: يريد إذا متم وبليتم [[لم أقف عليه عن ابن عباس. انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 434، "مجمع البيان" 8/ 593، "زاد المسير" 6/ 434.]]. وقال مقاتل: إذا تفرقتم في الأرض وذهبت الجلود والعظام وكنتم ترابًا، وهذا من قول أبي سفيان يقوله لكفار مكة [[انظر: "تفسير مقاتل" 97 أ.]]. قال أبو إسحاق: وفي هذه الآية نظير في العربية لطيف، ونحن نشرحه إن شاء الله. ﴿إِذَا﴾ في موضع نصب بمزقتم، ولا يجوز أن يعمل فيها جديد؛ لأن ما بعد أن لا يعمل فيما قبلها، والتأويل: هل ندلكم على رجل يقول لكم إذا مزقتم تبعثون، ويكون إذا بمنزلة إن الجزاء يعمل فيها الذي يليها. قال قيس بن الخطيم: إذا قصرت أسيافنا كان وصلها ... خطانا إلى أعدائنا فنضارب المعنى: يكون وصلها، الدليل على ذلك جزم فنضارب، قال: ويجوز أن يكون العامل في إذا مضمر، يدل عليه أنكم لفي خلق جديد، ويكون المعنى: هل ندلكم على رجل يقول إنكم إذا مزقتم كل ممزق بعثتم، كما قال: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [المؤمنون: 82، الصافات: 16] كأنهم قالوا: أئذا متنا وكنا ترابًا نحاسب ونعذب! قال: ويجوز إنكم لفي خلق جديد؛ لأن اللام إذا جاءت لم يجز [كسر] [[ما بين المعقوفين طمس في (ب).]] إن، انتهى كلامه [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 241 - 242.]]. قال أبو علي الفارسي: (يسأل في هذه الآية عن موضع إذا، وبأي الأفعال يحكم على موضعه، وفي الآية مما يمكن أن ينتصب به الظروف ثلاثة أشياء: قوله: ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾، وقوله: ﴿مُزِّقْتُمْ﴾، وقوله: ﴿خَلْقٍ جَدِيد﴾، فلا يجوز أن يكون موضع إذا نصبًا بقوله: ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾؛ لأن إذا لا يجوز أن تكون ظرفًا لهذا الفعل؛ لأن التنبؤ إنما تقع مثل [[هكذا في النسخ! وهو خطأ، والصواب: "قبل".]] الموت وأن يمزقوا بعد الموت، فامتنع أن ينتصب إذا به، وحمل ينبئكم على أنه بمعنى القول؛ لأنه ضرب منه. فأما قوله: ﴿إِذَا مُزِّقْتُمْ﴾ فإن جعل موضع إذا نصبا به لزم أن يحكم على موضعه بالجزم [[في (ب): (لزم أن يحكم عليه بالجزم).]]؛ لأن إذا هذه لا يجوز أن تنتصب به حتى يقدر جزم الفعل الذي هو الشرط [بها] [["بها" ساقطة من (ب)، "وبما" ساقطة من (أ).]] بما لا يسوغ أن يحمل عليه الكتاب؛ لأنه إنما يجزم بها في ضرورة الشعر، وإذا لم يجر [[هنا سقط في النقل عن أبي علي، فكلام أبي على كما في "المسائل المشكلة المعروفة بالبغداديات" ص 214، جاء هكذا: "إنما يجزم بها في ضرورة الشعر، == وإن حمل موضع (إذا) على أنه نصب والفعل غير مقدر في موضعه الجزم لم يجز؛ لأنه إذا لم يجاز بها أضيفت إلى الفعل والمضاف إليه لا يعمل .. ".]] بها أضيف إلى الفعل، والمضاف إليه لا يعمل في الضاف ولا فيما قبله، وموضع الفعل الواقع بعد إذا خفض، وكما لا يعمل [[في (أ): (يفعل).]] المضاف إليه فيما قبله كذلك لا يجوز أن يكون موضع إذا نصبا بمزقتم إذا كانت قبلها وحتى مضافة إليها. ولو قلت: زيدًا غلام ضارب عندك لم يجز، وكذلك سائر ما يتعلق بالمضاف إليه لا يجوز أن يتقدمه. ومما يدل على أن موضع الفعل بعد إذا خفض الإضافة ارتفاع الفعل المضارع بعدها، نحو: إذا يجيء زيد أكرمه، والفعل المضارع ليس يرتفع حتى يقع موقع اسم مرفوع أو مجرور أو منصوب، وهذا علة ارتفاعه، وإنما ارتفع بعد إذا لوقوعه موقع اسم مجرور، ولا يجوز أن يكون موضع إذا نصب بقوله جديد على تقدير: إنكم لفي خلق جديد إذا مزقتم؛ لأن إذا قبل إن، وما قبل أن لا يجوز أن يعمل فيه ما بعدها، لا يجوز: طعامك إن زيدًا أكل؛ لأن إن للابتداء فهو منقطع عما قبله، وإذا امتنع هذه الوجوه فالناصب لـ (إذا) مضمر يدل عليه قوله: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ كأنه في التقدير: ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق بعثتم أو نشرتم أو ما أشبه هذا من الأفعال التي يكون قوله: إنكم لفي خلق جديد دالًا عليه ومفسرًا له. وإن قدر هذا الفعل قبل إذا كان سابقًا، فيكون ينبئكم يقول لكم تبعثون إذا مزقتم كل ممزق. قال: وقد أجاز شيخ لنا -يعني: السراج- [[هو: أبو محمد جعفر بن محمد بن الحسين بن أحمد البغدادي السراج القارئ، أديب عالم بالقراءات والنحو واللغة، ولد سنة 417 هـ. وقيل: 419 له مؤلفات منها: "مصارع العشاق،" و"مناقب الحبش"، ونظم كتاب الخرقي في فقه الحنابلة جعله نظما، توفي رحمه الله سنة 500 هـ. == انظر: "إشارة التعيين في تراجم النحاة واللغويين" ص 75، "سير أعلام النبلاء" 19/ 228، "الأعلام" 2/ 121.]] أن يكون موضح إذا نصبًا بمزقتم) [["المسائل البغداديات" ص 213/ 218.]] وهو عندي ممتنع لما ذكرت لك. ومثل هذا عندي قوله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ [[سورة المؤمنون: 101.]] الآية، وقد تقدم الكلام فيها.