الباحث القرآني

مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا ۚ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ۚ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ۖ وَمَكْرُ أُولَٰئِكَ هُوَ يَبُورُ
وقوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ قال الفراء: (معناه من كان يريد علم العزة لمن هي، فإنها لله جميعًا، أي: كل وجه من العزة لله) [[انظر: "معاني القرآن" 2/ 367.]]. والآية على ما ذكرنا من باب حذف المضاف، وقال قتادة: من كان يريد العزة فليعتزز بطاعة الله [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 120، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 440، "زاد المسير" 6/ 477.]] يعني: أن قوله: ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ معناه: الدعاء إلى طاعة من له العزة ليعتز بطاعته، كما يقال: من أراد المال فالمال لفلان، أي: فليطلب من عنده من حيث يجب أن يطلب، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء؛ لأنه قال: يؤمن بالله فيعتز بعزه [[لم أقف عليه عن ابن عباس. وانظر: "تفسير الطبري" 22/ 120، "تفسير القرطبي" 14/ 328، "زاد المسير" 6/ 477.]]. وقال مجاهد ومقاتل: من كان يريد العزة بعبادته غير الله فليعتزز بطاعة الله، فإن العزة لله جميعًا [[انظر: "تفسير مجاهد" ص 531، "تفسير مقاتل" 102 ب، "تفسير الطبري" 22/ 120، "زاد المسير" 6/ 477.]]. وعلى هذا في الآية محذوف دل عليه الكلام، والمعنى: أن عبدة الأصنام طلبوا التعزز بها، يدل على هذا هذا قوله: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: 139]، وقوله: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا﴾ [مريم: 81] فأخبر الله تعالى أن العزة لله جميعًا لا غيره، فلا يعتز أحد بعبادة غيره وإنما التعزز بطاعة الله. ثم بين كيف يتعزز بطاعته فقال: قوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ قال مقاتل والمفسرون: إلى الله يصعد كلمة التوحيد، وهو: قول لا إله إلا الله [[انظر: "تفسير مقاتل" 102 أ. وانظر: "تفسير البغوي" 3/ 566، "تفسير القرطبي" 14/ 329، "زاد المسير" 6/ 478.]]. وقال أبو إسحاق: (أي إليه يصل الكلام الذي هو توحيده، والله تعالى يرتفع إليه كل شيء) [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 265.]]. وعلى ما ذكر، معنى الصعود إليه: الارتفاع، وهو بمعنى العلم كما يقال: ارتفع هذا الأمر إلى القاضي وإلى السلطان، أي: علمه، وفي تخصيص الكلم الطيب بعلمه إثبات للثواب عليه [[يبدو أن هناك سقط في الكلام يمكن تقديره بنحو: يدل عليه قوله تعالى.]] ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ [الأنعام: 33] فنثيبك [[في (ب): (فثبك).]] عليه. وقال بعض أهل المعاني: يعني إليه يصعد إلى سمائه، والمحل الذي لا جري لأحد سواه فيه ملك ولا حكم [[المؤلف رحمه الله في هذا الموضع فيه تأويل لصفة الحلو والفوقية، وهذا == خلاف ما عليه أهل السنة والجماعة، فإنهم يثبتون لله جل وعلا ما أثبته لنفسه أو أثبته له رسوله -ﷺ- من غير تحريف ولا تعطيل ولا تمثيل. انظر: "شرح العقيدة الطحاوية" 2/ 381.]]. ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ قال ابن عباس: يريد العمل بما افترضه الله -عز وجل-، يقول الله تعالى: "إذا قال العبد: لا إله إلا الله بنية صادقة، نظرت الملائكة إلى عمله، فإن كان عمله موافقًا لقوله صعدا جميعًا، وإن كان عمله مخالفًا وقف قوله حتى يتوب من عمله [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 22/ 121 من رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.]] ". وقال الحسن: العمل الصالح يرفع الكلام الطيب إلى الله، يعرض القول على الفعل فإن وافق القول الفعل قبل وإن خالفه رد، ونحو هذا [[(هذا) ساقط في (ب).]] قال سعيد بن جبير [[انظر: "معاني القرآن" للنحاس 5/ 440، "تفسير الماوردي" 4/ 464، "زاد المسير" 6/ 478.]]. وعلى هذا الكناية في ﴿يَرْفَعُهُ﴾ تعود إلى الكلم الطيب. وقال قتادة: يرفع الله العمل الصالح لصاحبه [[انظر: المصادر السابقة.]]. وعلى هذا تم الكلام عند قوله: ﴿الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾، ثم قال: ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ الله إليه، أي: يقبله، والكناية للعمل الصالح. وقال مقاتل: التوحيد يرفع العمل الصالح إلى السماء [[انظر: "تفسير مقاتل" 102 ب.]]. والمعنى على هذا: لا يقبل الله عمل صالح [[هكذا في النسخ! وهو خطأ، والصواب: عملاً صالحًا.]] إلا من موحد، والرافع على هذا القول الكلم الطيب، وعلى القول الثاني الرافع هو الله تعالى، وعلى القول الأول الرافع العمل الصالح، وهذا الأوجه، وقد ذكره الفراء والزجاج والمبرد [["معاني القرآن" 2/ 367، انظر: "معاني القرآن وإعربه" 4/ 265. ولم أقف على قول المبرد، وترجيح المؤلف -رحمه الله- للقول الأول القائل بأن الرافع هو العمل الصالح؛ لأنه قول صحيح ثابت عن حبر الأمة وترجمان القرآن -رضي الله عنه-]]. قال مقاتل: ثم ذكر من لا يوحد الله فقال: ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ أي: والذين يقولون الشرك [[انظر: "تفسير مقاتل" 102 ب.]]. وهذا معنى قول ابن عباس: والذين يشركون بالله لهم عذاب شديد [[أورده الطبري 22/ 17 ونسبه لقتادة، وابن الجوزي في "زاد المسير" 6/ 479، ونسبه لمقاتل، ولم أقف عليه عن ابن عباس.]]. وقال الكلبي: يعني يعملون السيئات [[انظر: "مجمع البيان" 8/ 629، "تفسير القرطبي" 14/ 332، "تفسير البغوي" 3/ 567.]]. وقال سعيد بن جبير: والذين يعملون بالرياء، وهو قول مجاهد وشهر ابن حوشب [[انظر: "الطبري" 22/ 171، "البغوي" 3/ 567، "الدر المنثور" 7/ 10 وعزاه لسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في الشعب عن مجاهد ولسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن شهر بن حوشب.]]. وقال أبو العالية: يعني الذين مكروا برسول الله في دار الندوة [[انظر: "مجمع البيان" 8/ 629، "زاد المسير" 6/ 479.]]، وهو اختيار أبي إسحاق [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 265.]]. ثم أخبر أن مكرهم يبطل فقال: {وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ} قال قتادة: يفسد [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 171، "تفسير الماوردي" 4/ 465، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 443.]]. وقال مقاتل: يهلك ولا يكون شيئًا [[انظر: "تفسير مقاتل" 102 ب.]]. وقال السدي: يهلك وليس له ثواب في الآخرة [[أورده السيوطي في "الدر" 7/ 10 وعزاه لابن أبي حاتم عن السدي، "تفسير السدي الكبير" ص 393.]]. ثم دل على نفسه بصفة ليوحد فقال: