الباحث القرآني

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا ۚ وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ
ثم أخبر عن صنعه ليعرف توحيده فقال: ﴿لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [[قوله: (من السماء ماء) ساقط من (أ).]] إلى قوله: ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ﴾ قال الفراء. (الجدد: الطرق تكون في الجبال مثل العروق، بيض وسود وحمر [[في (ب): (بيض وحمر وسود).]]، واحدها جدة [[في (أ) بعد قوله: (واحدها جده)، قال: فقال ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ﴾ إلى قوله ﴿وَمِنْ الْجِبَالِ جُدَدٌ﴾ وسودهم من الناسخ.]]، وأنشد لامرئ القيس: كأن سراتيه [[هكذا في النسخ! وهو خطأ، والصواب: سراته.]] وجدة ظهره ... كنائن يجري فوقهن دليص [[البيت من الطويل، لامرئ القيس في: "شرح ديوانه" ص 124، "تهذيب اللغة" 10/ 458، "اللسان" 3/ 108 (جدد)، 7/ 37 (دلص)، "معاني القرآن" للفراء 2/ 369، "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 4/ 269. وسراته: هو أعلى ظهره، وجدة ظهره: العلامة يخالف لونها لون جلده، والكنائن: هي الخطوط البيض بظهره.]]. يعني: الخطة السوداء في متن الحمار، والدليص: الذي يبرق) [[انظر: "معاني القرآن" 2/ 369.]]. وقال أبو عبيدة: (جدد: طرائق، وأنشد لذي الرمة يصف الليل: حتى إذا حان من حضر قوادمه ... ذي جدتين يكف الطرف تعميم [[البيت من البسيط، وهو لذي الرمة في "ديوانه" 1/ 444، وانظرها منسوبة إليه "مجاز القرآن" 2/ 155، ومعنى البيت: يريد من ليس سود اوائله. ذي جدتين أي ناجيتين من الليل، ويكف الطرف يرده حتى لا يجوزه، وتغييم إلباس يقول: جاء الليل مثل الغيم.]] [["مجاز القرآن" 2/ 155.]]. وقال أبو إسحاق: (جدد جمع جدة، وهي الطريقة، وكل طرقه جدة وجادة) [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 269.]]. وقال ابن قتيبة والمبرد: جدد: طرائق وخطوط [["تفسير غريب القرآن" ص 361، وانظر: "فتح القدير" 3/ 374.]]. ونحو هذا قال المفسرون في تفسير الجدد: أنها الطرائق [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 626 أ، "تفسير الطبري" 22/ 131، "تفسير الماوردي" 4/ 470.]]. وقال مقاتل: يعني بالجدد الطرائق التي تكون في الجبال، منها بيض ومنها حمر ومنها غرابيب سود [[انظر: "تفسير مقاتل" 103 ب.]]. وهو جمع غربيب، وهو الشديد السواد الذي يشبه لونه لون الغراب، يقال: أسود غربيب وغرابي [[انظر: "تهذيب اللغة" 8/ 117 (غريب)، "اللسان" 1/ 638 (غريب).]]. وذكر عن الفراء أن هذا التقديم والتأخير، بتقدير: وسود غرابيب؛ لأنه يقال: أسود غربيب، وقل ما يقال: غربيب أسود [[لم أقف على قول الفراء في معاني القرآن له. ونقل كلام الفراء: الطبرسي في "مجمع البيان" 8/ 635، والمؤلف في "الوسيط" (3504)، والشوكاني في "فتح القدير" 4/ 347.]]. وقال الأخفش في هذه الآية: قوله: ﴿ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا﴾ نصب مختلفًا؛ لأن كل صفة متقدمة فهي التي تجري على الذي قبلها إذا كانت من سببه، والثمرات في موضع نصب، هذا كلامه [[انظر: "معاني القرآن" 2/ 486.]]. و (مختلفًا) ينتصب بكونه نعتًا لقوله ثمرات، وجاز تذكيره على الفعل فجاز أن يجري مجرى الفعل، ولو كان فعلًا جاز تذكيره كقوله: ﴿ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا﴾، والاختلاف الألوان، وجرى صفة للثمرات، كقوله: ﴿مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ [النساء: 75] فالظالم للأهل، وقد جرى صفة للقرية [[انظر: "مشكل إعراب القرآن لمكي بن أبي طالب" 2/ 216، "الدر المصون" 5/ 466، "البحر المحيط" 7/ 296.]]. وشرحنا الكلام فيه هاهنا وتم الكلام عند قوله: ﴿أَلْوَانُهَا﴾، ثم ابتدأ فقال: ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ﴾ أي: ومما خلقنا من الجبال جدد بيض، يعني: طرائق، وليس يريد الطرائق التي تسلك وإنما أراد الطرائق [[في (ب): (الطريق).]] التي تكون مستقيمة على ضرب واحد كطرائق النحل، وكذلك يكون الجبال ممتد منها طريقة [[في (أ): (منها طريقة منها بيض)، وهو خطأ.]] بيض ومنها طريقة حمرة وطريقة سود وهي الغرابيب. قال أبو إسحاق: وهي الحرار من الجبال التي تكون ذات صخور سود [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 269.]]. هذا الذي ذكرنا هو الوجه في تفسير الجدد والطرائق؛ لأن الطرائق في اللغة كل مستطيل، ويجوز أن يكون المعنى ما ذكره الفراء من قوله: هي طريق تكون في الجبال كالعروق.