الباحث القرآني

ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ۖ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ هذه الآية منتظمة بقوله: ﴿ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾. لما ذكر أن الأمم الماضية كذبوا الرسل الذين أتتهم بالبينات وبالزبور وبالكتاب المنير وأنه عاقبهم على ذلك، ذكر هذه الآية المصدقة بالكتاب فقال: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ﴾ قال مقاتل: يعني القرآن [[انظر: "تفسير مقاتل" 153 ب.]] والمعنى: ثم جعلنا الكتاب ينتهي إليهم؛ لأن من ورث شيئًا كان ذلك الشيء منتهيًا له. وقوله: ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ عباس: يريد المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان وأمة محمد -ﷺ- [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 133، "تفسير البغوي" 3/ 570، "المحرر الوجيز" 4/ 439.]]. ثم قسمهم ورتبهم فقال: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ قال ابن عباس: بدأ بشرهم فقال: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ وهو الذي مات على كبيرة ولم يتب منها [[انظر: "الوسيط" 3/ 505، "زاد المسير" 6/ 489.]]. وقال مقاتل: يعني أصحاب الكبائر من أهل التوحيد [[انظر: "تفسير مقاتل" 104 أ.]]. ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ قال ابن عباس: وهو والذي لم يصب كبيرة [[لم أقف عليه عن ابن عباس، وقد ذكره الثعلبي في "تفسيره" 3/ 228/ أ، عن بكر ابن سهل الدمياطي.]]. وقال مقاتل: هو صاحب اليمين [[لم أقف عليه عن مقاتل، وقد ذكره القرطبي 14/ 346 عن مجاهد.]]. ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ يعني: المقربين الذين سبقوا إلى الأعمال الصالحة. وقال الحسن: الظالم الذي ترجح سيئاته على حسناته، والمقتصد الذي استوت حسناته وسيئاته، والسابق من رجحت [حسناته على سيئاته] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ).]] [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 228 أ، "البغوي" 3/ 571، "المحرر الوجيز" 4/ 439.]]. وقال أبو الدرداء: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول في هذه الآية: "السابق والمقتصد يدخلان [[في (ب): (يدخلون)، وهو خطأ.]] الجنة بغير حساب، والظالم لنفسه يحاسب حسابًا يسيرًا ثم يدخل الجنة" [[هذا الحديث رواه الإمام أحمد في مسنده 5/ 198، 6/ 444، والحاكم في "المستدرك" كتاب: التفسير، تفسير سورة الملائكة 2/ 426 وصححه ووافقه الذهبي، وابن أبي حاتم في "التفسير" 10/ 3182.]]. وقال عقبة قال [[هكذا في النسخ! وهو خطأ، والصواب: قلت. وعقبة هو: ابن صهبان الأزدي الحداني، وقيل: الراسبي، وقيل: الهنائي البصري، وحدان وراسب وهناءة من الأزد، روى عن عبد الله بن مغفل المزني == وعثمان بن عفان وعائشة أم المؤمنين وغيرهم، وروى عنه جماعة منهم: صبيح أبو الوسيم وعلي بن زيد بن جدعان وقتادة بن دعامة، وهو ثقة، روى له البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه، توفي في أول ولاية الحجاج على العراق. انظر: "تهذيب الكمال" 17/ 200 الترجمة (3977)، "الطبقات الكبرى" 7/ 146، "الجرح والتعديل" 6/ 312، الترجمة 1736.]] لعائشة: أرأيت قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ﴾ الآية، فقالت: أما السابق فمن مضى في حياة رسول الله -ﷺ-، وأما المقتصد فمن اتبع آثارهم فيعمل بأعمالهم حى لحق بهم فمثلي [[هكذا في النسخ! وفيه سقط من الأثر نصه: وأما الظالم لنفسه فمثلي.]] ومثلك ومن اتبعتك [[هكذا في النسخ! ولعل الصواب: اتبعنا.]]، وكل في الجنة [[هذا الحديث رواه الحاكم في"المستدرك"، كتاب: التفسير، تفسير سورة الملائكة 4/ 426 وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. وابن حجر في "المطالب العالية" 5/ 360 وقال: لأبي داود، والثعلبي في "تفسيره".]]. وقال ابن الحنفية: الظالم مغفور له، والمقتصد في الجنات، والسابق في الدرجات العلى [[انظر: "الطبري" 22/ 135، وأورده السيوطي في "الد" 7/ 28 وزاد نسبته لابن أبي حاتم.]]. وروي عن ابن عباس أنه سأل كعبًا [[هو: إسحاق بن كعب بن نافع بن ذي هجن الحميري التابعي، اشتهر بكعب الأحبار، من علماء اليهود في اليمن، أسلم في خلافة أبي بكر وقدم المدينة فأخذ عنه الصحابة كثيرًا من أخبار الأمم الغابرة، وأخذ الكتاب والسنة من كبار الصحابة بالمدينة، ثم رحل إلى الشام وتوفي بها. انظر: "حلية الأولياء" 5/ 164، "تذكرة الحفاظ" 1/ 52، "تهذيب التهذيب" 8/ 438.]] عن هؤلاء الأصناف الثلاثة فقال: تحاكت مناكبهم ورب الكعبة، ثم أعطوا الفضل بأعمالهم [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 134، "المحرر الوجيز" 4/ 439، أورده السيوطي في " الدر" 7/ 27 وزاد نسبته لابن أبي شيبة وعبد بن حمبد وابن المنذر.]]. وقال كعب أيضًا: وقرأ هذه الآية إلى قوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ فقال: دخلوها ورب الكعبة [[انظر: "الدر المنثور" 7/ 27 وعزاه لعبد بن حميد. قلت: ولعل هذا القول وسابقه لا فرق بينهما، فكلاهما يدل على أن الأصناف الثلاثة داخلة الجنة.]]. وروي عن ابن عباس في هذه الآية أنه قال: فيعذب الله من اصطفاه وجعلهم يدخلون الجنة [[هكذا وردت هذه الرواية عن ابن عباس رضي الله عنها في جميع النسخ، ويظهر أن في الكلام خطأ، ولم أقف على رواية عن ابن عباس قريبة منها بعد طول بحث، فيظهر -والله أعلم- أنها خطأ من النساخ والله أعلم.]]. هذا الذي ذكرنا مذهب جمهور أهل التأويل. وذهب قوم إلى أن الظالم لنفسه ليس من أهل الجنة. فقال الكلبي: فمنهم ظالم لنفسه في الكفر وذلك في النار [[لم أقف عليه عن الكلبي، وانظر: "القرطبي" 14/ 346، "زاد المسير" 6/ 489 ونسبه لعمرو بن دينار عن ابن عباس.]]. وروي عن عمرو بن دينار أن ابن عباس كان يقول: الظالم لنفسه هو المنافق [[انظر: "مجمع البيان" 8/ 639، وبعض المفسرين ذكر هذا القول منسوبًا للحسن. انظر: "الطبري" 22/ 135، "زاد المسير" 7/ 489.]]. وروي عوف عن الحسن: نجا السابق والمقتصد، وهلك الظالم لنفسه [[انظر: "الطبري" 22/ 135، "زاد المسير" 7/ 489، "مجمع البيان" 8/ 639. وأورده السيوطي في "الدر" 7/ 27 وعزاه لعبد بن حميد والبيهقي عن الحسن.]]. وقال مجاهد: صنفيان [[هكذا في النسخ! وهو خطأ، والصواب: صنفان.]] نانجيان وصنف هالك قال: وهذه الآية كالتي في الواقعة: {فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (8) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ} [الواقعة: 8، 9] [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 135، "بحر العلوم" 3/ 86، "القرطبي" 14/ 346.]]. وعلى هذا القول الكناية في منهم ومنهم تعود إلى قوله: ﴿مِنْ عِبَادِنَا﴾. والقول هو الأول؛ لأن الله تعالى ذكر الأصناف بعد الاصطفاء؛ ولأنه ختم ذكرهم بقوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾. ولقد أحسن أبو بكر الوراق كل الإحسان حيث قال: رتب الله هذه الأمة على ثلاث طبقات؛ لأن أحوالهم على ثلاث: معصية ثم توبة ثم قربة، فإذا عصى العبد كان ظالمًا لنفسه، ثم إذا تاب صار مقتصدًا فإذا ثبت على التوبة دخل [[في (ب): (صار من السابقين).]] في السابقين [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 227 أ، "البغوي" 3/ 572.]]. ولهذا المعنى بدأ في ذكرهم بالظالمين [[وقد ذكره القرطبي في "تفسيره" 14/ 349 أوجهًا أخرى في سبب تقديم الظالم على المقتصد والسابق فقال: وتكلم الناس في تقديم الظالم على المقتصد والسابق، فقيل: التقديم في الذكر لا يقتضي تشريفًا، كقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾. وقيل: قدم الظالم لكثرة الفاسقين منهم وغلبتهم، وأن المقتصدين قليل بالإضافة إليهم، والسابقين أقل من القليل ذكره الزمخشري ولم يذكر غيره. وقيل: قدم الظالم لتأكيد الرجاء في حقه؛ إذ ليس له شيء يتكل عليه إلا رحمة ربه، وأتكل المقتصد على حسن ظنه والسابق على طاعته.-قلت: وفي هذا القول نظر إذ لن يدخل أحد الجنة بعمله كما جاء عن الصادق المصدوق -ﷺ- وقيل: قدم الظالم لئلا ييأس من رحمة الله وأخر السابق لئلا يعجب بعمله. قلت: وقيل غير ذلك، ولا مانع من إرادة الكل والله أعلم.]]. على أن الواو عند أهل التحقيق لا توجب ترتيبًا. وذكرنا معنى المقتصد في اللغة عند قوله: ﴿أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾ [المائدة: 66] وقوله: ﴿سَابِقٌ﴾ أي: سابق إلى الجنة أو إلى رحمة الله. ﴿بِالْخَيْرَاتِ﴾ أي: بأعماله الصالحة بإذن الله بأمر الله وإراداته. قوله: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ﴾ يعني: إيراثهم الكتاب.