الباحث القرآني

اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ ۚ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ۚ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ ۚ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا
﴿اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ﴾ قال ابن عباس: عتوا [[لم أقف عليه عن ابن عباس. وانظر: "بحر العلوم" 3/ 90، "الوسيط" 3/ 508، "القرطبي" 14/ 358.]]. وقال مقاتل: تكبرا في الأرض عن الإيمان [[انظر: "تفسير مقاتل" 104 ب.]]. وانتصب استكبارا -عند الأخفش- على البدل من قوله: ﴿نُفُورًا﴾ [[انظر: "الدر المصون" 5/ 473، "البحر المحيط" 8/ 305.]]. وقال الفراء: فعلوا ذلك استكبارا [[انظر: "معاني القرآن" 2/ 378.]]. وهذا محتمل المصدر، ويحتمل أن يكون معناه للاستكبار، وهو قول الزجاج قال: هو منصوب؛ لأنه مفعول له، المعنى: ما زادهم إلا نفورًا للاستكبار [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 274.]]. ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ قرأ حمزة بإسكان الهمزة. قال أبو إسحاق: (وهذا عند النحويين لحن لا يجوز، وإنما يجوز في الشعر للاضطرار، كقوله: إذا أعوججن قلت صاحب قوم [[صدر بين من الرجز، وعجزه: بالدو أمثال السفين العوم وينسب لابن نحيلة، انظر: "شرح أبيات سيبوبه" 2/ 398، "شرح شواهد الشافية" ص 225. وبلا نسبة في: "الكتاب" 4/ 203، "الخصائص" 1/ 75، "معاني القرآن" للفراء 2/ 371. ويعني بقوله: اعوججن، الإبل، والدو: الصحراء، شبه الإبل في الصحراء بالسفن التي تمخر عباب اليم. والشاهد فيه: تسكين ياء صاحب، تشبيهاً للوصل بمجرى الوقف.]] يريد: يا صاحب، فحذف مضطرا، كأنه استثقل الضم بعد الكسر والكسر بعد الكسر، ولو قال صاحب، ومثله: اليوم اشرب غير مستحقب [[صدر بيت، وعجزه: إثمًا من الله ولا واغل وهو لامرئ القيس كما في: "ديوانه" ص 122، "الكتاب" 4/ 204، "لسان العرب" 1/ 325 (حقب)، "الأصمعيات" ص 130. واستحقب: اكتسب، وأصل الاستحقاب حمل الشيء في الحقيبة، والواغل: الداخل على القوم في شرابهم ولم يدع. والشاهد فيه قوله: اشرب، حيث سكن الباء ضرورة.]] والبيتان أنشدهما جميع النحويين المذكورين، قد أعلنوا كلهم أن هذا من الاضطرار في الشعر، ولا يجوز مثله في كتاب الله) [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 275.]]. قال أبو علي: (التقدير في قوله: ﴿اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ﴾: استكبروا في الأرض، ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ أي: مكروا والمكر السيئ، فأضيف المصدر، إلى صفة المصدر ألا ترى أنه قد جاء بعد ولا يحيق المكر السيئ، وكما أن السيئ صفة للمصدر كذلك الذي قبله، ومثله قوله: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ﴾ تقديره: مكروا المنكرات السيئات، إلا أنك إذا أضفت إلى السيئ قدرت الصفة وصفًا لشيء غير المكر، كما أن من قال: دار الآخرة، وجانب الغربي، قدره كذلك، يريد أن الأصل: الدار الآخرة، والجانب الغربي، فلما أضيف إلى صفته صار التقدير: دار الأحكام الآخرة، وجانب البلد الغربي، كذلك مكر السيئ يكون معناه: مكر الشرك السيء. قال: فأما قراءة حمزة واستكانة [[في (أ): (واستكانة)، وهو خطأ.]] الهمزة في الاستدراج، فإن ذلك يكون على إجرائها في الوصل مجراها في الوقف، فهو مثل سببا [[في (ب): (سببا)، وهو تصحيف.]] ويمهل، وهو في الشعر كثير. ومما يقوي ذلك أن قومًا قالوا في الوقف: أقعى وأقعوا، فأبدلوا من الألف الواو والياء، ثم أجروها في الوصل مجراها في الوقف فقالوا: هذه أفعوا يا فتى، فكذلك عمل حمزة بالهمزة في هذا الموضع. قال: ويحتمل وجهًا آخر، وهو أنه خفف لاجتماع الكسرتين واليائين، كما خففوا الباء من إبل لتوالي الكسرتين، ونزل حركة الإعراب بمنزلة غير حركة الإعراب كما فعلوا في قولهم: فاليوم فاشرب غير مستحقب [[صدر بيت لامرئ القيس سبق معنا.]] ... .......... ................ ... وقد بدا هنك من المئزر [[عجز بيت من السريع، وصدره: رحت وفي رجليك ما فيهما. وهو مختلف في نسبته، فهو في ديوان الأقيشة الأسدي ومنسوب إليه في "شرح أبيات سبويه" 2/ 391، و"حزانة الأدب" 4/ 484، ونسبه ابن قتيبة كما في "الشعر والشعراء" للفرزدق. والشاهد فيه: إسكان النون في هناك ضرورة، وهو مرفوع لأنه فاعل بدا.]] فإذا شاع ما ذكرنا في هذه القراءة من التأويل، لم يسغ لقائل أن يقول إنه لحن، للزمه أن يقول: إن قول من قال: افعوا في الوصل لحن، فإذا كان من قرأ به على قياس ما استعملوه في كلامهم المنثور لم يكن لحنا، ولم يكن لقادح في ذلك قدح. وهذه القرآة وإن كان لها مخلص من الطعن، فالوجه قراءة الحرف على ما عليه الجمهور في الدرج) [["الحجة" 6/ 31 - 33.]]. وقال أبو جعفر النحاس: كان الأعمش يقف على ومكر السيئ، فيترك الحركة، وهو وقف حسن؛ لأنه تمام الكلام، ثم غلط الراوي فروى أنه كان يحذف الإعراب في الإدراج [["القطع والائتناف" ص 593.]]، فيحتمل أن يكون حمزة قد ذهب إلى قراءته ولم يعلم أنه إنما كانت يترك الحركة في همز الوقف؛ لأنه في الإدراج، فتابع المغالط في الرواية [[انظر: "الدر المصون" 5/ 473.]]. والمفسرون فسروا المكر السيئ هاهنا بالشرك [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 145، "بحر العلوم" 3/ 90، "تفسير البغوي" 3/ 574، "تفسير القرطبي" 14/ 358.]]. والتقدير: ومكروا مكرًا سيئًا، والمكر السيئ وهو عملهم القبيح من الشرك، والمكر هو العمل القبيح. وقد مر هذا المعنى في مواضع من التنزيل. ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ قال ابن عباس: يريد عاقبة الشرك لا تحل إلا بمن أشرك [[انظر: "تفسير البغوي" 3/ 575، "المحرر الوجيز" 4/ 443، " زاد المسير" 6/ 359.]]. وقال الكلبي: هو أنهم قتلوا يوم بدر [[انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 479، "البغوي" 3/ 575، "القرطبي" 14/ 359.]]. ثم خوفهم فقال: قوله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: هل ينظرون إلا أن ينزل بهم العذاب كما نزل بالأمم المكذبة قولهم [[هكذا في النسخ! وهو خطأ، والصواب: قبلهم.]] أي: يجب أن لا ينتظروا إلا العذاب بعد تكذيبك، وهذا كقوله: ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [[سورة يونس: آية 102.]] وقد مر. قوله: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ في العذاب. ﴿تَبْدِيلًا﴾ وإن تأخر ذلك؛ لأن قوله الحق في نزول العذاب بهم في الدنيا. ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ لا يقدر أحد أن يحول العذاب عنهم إلى غيرهم. قاله مقاتل وابن عباس [[انظر: "تفسير مقاتل" 104 ب، انظر: "تفسير ابن عباس" ص 368.]].