الباحث القرآني

وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَىٰ أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّىٰ يُبْصِرُونَ
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾ ذكرنا معنى الطمس في سورة النساء ويونس [[في سورة النساء: الآية 47، وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ الآية، وهذه الآية مع آية أخرى ناقصة من المخطوط. وفي سورة يونس: آية 88 قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ وقال المؤلف هناك بعد أن أحال على آية النساء. قال الزجاج: تأويل طمس الشيء: إذهابه عن صورته والانتفاع به على الحال الأولى التي كانت عليها.]]. قال أبو عبيدة [["مجاز القرآن" 2/ 165.]] والمبرد [[لم أقف على هذا القول عن المبرد.]] والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 293.]] في هذه الآية: يقال: عين طمس ومطموس، وهو الذي لا يرى شق عينه ولا يتبين جفنه. وذكرنا في تفسير هذه الآية قولين. قال مقاتل: يقول: لو نشاء لحولنا أبصارهم من الضلالة إلى الهدى فأبصروا طريق الهدى، ثم قال: ﴿فَأَنَّى يُبْصِرُونَ﴾ يقول: فمن أين يبصرون طريق الهدى، ولم أعم عليهم طريق الكفر؟ [["تفسير مقاتل" 108 أ.]]. ونحو هذا قال الكلبي [[انظر: "بحر العلوم" 3/ 104، ونسبه بعض المفسرين لقتادة القائل. انظر: "البغوي" 4/ 36، "زاد المسير" 7/ 32، "القرطبي" 15/ 49.]]. القول الثاني: أن معنى الآية لو نشاء لأعميناهم وتركناهم عميًا يترددون، وكيف يبصرون الطريق حينئذ؟ وهذا قول الحسن وقتادة والسدي [[انظر: "الطبري" 23/ 25، "الماوردي" 5/ 29، "البغوي" 4/ 36.]]. وهو الاختيار لأن الله تعالى يهددهم بهذه الآية كالتي بعدها كما قال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ [البقرة: 25] يقول: كما أعمينا قلوبهم لو شئنا أعمينا أبصارهم الظاهرة. وهذا القول اختيار المبرد والزجاج. قال المبرد: تأويل الآية قال: راموا الاستباق إلى المنهاج، فمن أين لهم أبصار؟ [[لم أقف على قول المبرد.]]. وقال الزجاج: أي لو [[في (ب): (ولو نشاء).]] نشاء لأعميناهم فعدلوا عن الطريق، فمن أين [[في (أ) كرر قول الزجاج ولكنه قال في آخر مرة: فمن أين لهم أبصار، وقال في الأخرى: فمن أين يبصرون. كما أثبته وكما هو في "معاني الزجاج" 4/ 193.]] يبصرون؟. وذكرنا معنى الاستباق عند قوله: ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ﴾ [يوسف: 25]. والاستباق هاهنا معناه غير معنى ما تقدم. قال الأزهري: ﴿فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ﴾ فجازوا الصراط وخلفوه، وهذا الاستباق من واحد والذي في سورة يوسف من اثنين؛ لأن هذا بمعنى سبقوا، والأول بمعنى المسابقة [["تهذيب اللغة" 8/ 418 (شق).]] هذا كلامه ويدل على صحته قول أبي إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 193.]]: عدلوا عن الطريق [في هذه الآية] [[ما بين المعقوفين زيادة من (أ).]] ومعنى عدلوا عن الطريق ما ذكره الأزهري: جازوا الصراط وخلفوه. ويدل على صحة القول الثاني ما ذكره عطاء عن ابن عباس في هذه الآية قال: إن الأسود بن عبد الأسود أخذ حجرًا وجماعة من بني مخزوم معه ليطرحوه على رسول الله -ﷺ- وهو يصلي، فطمس الله بصره وألصق الحجر بيده، فما أبصر ولا اهتدى [[انظر: "القرطبي" 15/ 50.]]. ومعنى الاستباق في هذا القول ما ذكروا في القول الأول معناه: فاهتدوا الطريق. قال الكلبي: فاستبقوا إلى الصراط المستقيم [[لم أقف عليه عن الكلبي، وقد ذكر القرطبي نحوه عن ابن عباس 15/ 49، وابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 32 وقال: روى عن جماعة منهم مقاتل.]]. وفي هذا القول عدول عن الظاهر؛ لأن قوله: ﴿لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾ يقتضي طمس الأعين الظاهرة مع أنه ليس يليق بما بعده، وهو قوله [[في (ب): (واو) زائدة، (وقوله)، وهو خطأ.]]: