الباحث القرآني

وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ
قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ قال الكلبي [[لم أقف عليه.]] ومقاتل [["تفسير مقاتل" 108 ب، "البغوي" 4/ 18، "زاد المسير" 7/ 34.]]: نزلت في مشركي مكة، حين قالوا: إن القرآن شعر، وإن محمدًا شاعر ساحر كذاب، فقال الله تكذيبًا لهم: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾. قال ابن عباس: يريد ما [[في (ب): (وما).]] ينبغي له الشعر، ما كان يروي بيت شعر ولا يقومه مستقيماً [[لم أقف عليه عن ابن عباس. وانظر: "الطبري" 27/ 23، "بحر العلوم" 3/ 105. البغوي 4/ 18، "مجمع البيان" 8/ 674.]]. قال أبو إسحاق: وما يتسهل ذلك [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 293.]]. وأصل (ينبغي) من قولهم: بغيت الشيء أبغيه، أي: طلبته، فابتغى لي ذلك الشيء أن تسهل وحصل، كما تقول: كسرته فانكسر [[انظر: "تهذيب اللغة" 8/ 212 (بغي)، "اللسان" 14/ 76 (بغا).]]. وكان النبي -ﷺ- بالصفة التي وصفه الله بها ما كان يقرن له بيت شعر، حتى إنه إذا تمثل بيت شعر جرى على لسانه منكسراً، فقد روي أنه كان يتمثل بقول العباس بن مرداس فيقول: أتجعل نهبي ونهب العبيد بين الأقرع وعيينة [[البيت من المتقارب وصحته: أتجعل نهبي ونهب العبيد بين عيينة والأقرع. وهو في "ديوان العباس" 84، "لسان العرب" 1/ 774 (نهب)، "تاج العروس" 4/ 319 (نهب)، "خزانة الأدب" 1/ 153. وذكر هذا الأثر القرطبي في "تفسيره" 15/ 52.]] وكان يتمثل بقول عبد بني الحسحاس [[عبد بني الحسحاس، اسمه سحيم، وكان عبداً أسود نوبياً أعجميًا، وهو من المخضرمين، أدرك الجاهلية والإسلام ولا يعرف له صحبة قُتل في خلافة عثمان -رضي الله عنه-، قتله بنو الحسحاس لأنه أحبَّ امرأة منهم وطفق يتغزل فيها، فقتلوه خشية العار. انظر: "الخزانة" 2/ 102، "الأغاني" 22/ 305، "الشعر والشعراء" ص 241.]] يقول: كلي [[هكذا في النسخ، وهو خطأ، والصواب: كفى.]] الإسلام والشيب للمرء ناهيًا [[البيت من الطويل، وصحته: عميرة ودع إن تجهزت غازيًا ... كفى الشيبُ والإسلام للمرء ناهياً وهو لسحيم في: "البيان والتبيين" 1/ 71، "الكامل" 1/ 285، "الخزانة" 1/ 267، 2/ 102، "الأغاني" 22/ 307، "سر صناعة الإعراب" 1/ 141. وذكر هذا الأثر الإمام محمد بن يوسف الصالحين الشامي في "سبل الهدى والرشاد في سيرة خبر العباد" 9/ 352، وقال: أخرجه ابن سعد عن الحسن البصري، والقرطبي في "تفسيره" 15/ 52.]] وكان يتكلم ببيت طرفة فيقول: ويأتيك من لم تزود بالأخبار [[البيت من الطويل، وصحته: == ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود وهو لطرفة بن العبد في معلقته المشهورة في: "ديوانه" ص 41، "أشعار الشعراء الستة الجاهلين" 2/ 57،"لسان العرب" 2/ 8 (تبت)، "تاج العروس" 15/ 150.]] فيعاد عليه مستويًا فيقول: إني "لست بشاعر ولا ينبغي لي" [[رواه الإمام أحمد في "مسنده" 6/ 31، 146، والنسائي في "عمل اليوم واليلة" ص 549، والترمذي في "سننه" أبواب الآداب، ما جاء في إنشاد الشعر 4/ 218 رقم 3006. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 8/ 128: رواه الترمذي عن عائشة، ورواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح، ورواه البزار، والطبراني، عن ابن عباس، ورجالهما رجال الصحيح.]]. والمفسرون ذهبوا إلى أنه ما كان يتسهل له أن يأتي ببيت موزون؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾. وما روي عنه من الأراجز كقوله: "هل أنت إلا أصبع دميت" [[هذا الحديث أخرجه الإمام البخاري في "صحيحه" "كتاب الجهاد"، باب من ينكب في سبيل الله 3/ 1031 رقم 2648، وفي "كتاب الأدب"، باب ما يجوز من الشعر 5/ 2276 رقم 5794 من حديث جندب بن سفيان. والإمام مسلم في "صحيحه" كتاب الجهاد، باب ما لقي النبي -ﷺ- من أذى المشركين والمنافقين 3/ 1421 رقم 1796 من حديث جندب بن سفيان.]]. وقوله: "لبيك إن العيش عيش الآخرة" [[أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الجهاد"، باب التحريض على القتال 3/ 1043 رقم 2679، وفي باب البيعة في الحرب ألا يفروا 3/ 1081 رقم 2801 عن أنس، وفي "كتاب الرقاق"، باب ما جاء في الصحة والفراغ وأن لا عيش إلا عيش الآخرة 5/ 2357 رقم 6050 عن أنس، ورقم 6051 عن سهل بن سعد الساعدي. وأخرجه الإمام مسلم في "صحيحه" "كتاب الجهاد" باب غزوة الأحزاب 3/ 1431 رقم 1804 من حديث أنس.]]. فالرجز جنس من الكلام ليس بشعر [[ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله في "فتح الباري" 8/ 38 في شرحه لقول النبي -ﷺ-: "أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب". قال: وقد أجيب عن مقالته -ﷺ- هذا الرجز بأجوبة: أحدها: أنه نظمه غيره وأنه كان فيه: أنت النبي لا كذب أنت عبد المطلب، فذكره بلفظ أنا في الموضعين. ثانيها: أن هذا رجز وليس من أقسام الشعر، وهذا مردود. ثالتها: أنه لا يكون شعراً حتى يتم قِطْعَة. وهذه كلمات يسيرة لا تسمى شعرًا. رابعها: أنه خرج موزونًا ولم يقصد به الشعر، وهذا أعدل الأجوبة. وقال الإمام القرطبي في "تفسيره" 15/ 52: وإصابته -ﷺ- الوزن أحياناً لا يوجب أنه يعلم الشعر، وكذلك ما يأتي أحيانًا من نثر كلامه ما يدخل في وزن ... فقد يأتي مثل ذلك في آيات القرآن وفي كل كلام وليس ذلك شعراً ولا في معناه. وانظر للاستزادة في الموضوع: "فتح الباري" 8/ 38 ، 10/ 660، "الجامع لأحكام القرآن" 15/ 51، "الشعر الإسلامي في صدر الإسلام" ص 24 وما بعدها.]]. وقال أبو إسحاق: (ليس يوجب هذا أن يكون النبي -ﷺ- لم يتمثل ببيت شعر قط، وإنما يوجب هذا أنه ليس بشاعر، وأن يكون القرآن أتى به مباينًا لكلام المخلوقين وأوزان أشعار العرب) [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 294.]]. وعلى ما ذكر قوله: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ معناه: وما يسهل له إنشاء الشعر من قبل نفسه. قوله: ﴿إِنْ هُوَ﴾ قال مقاتل: القرآن [["تفسير مقاتل" 108 ب.]]. ﴿إِلَّا ذِكْرٌ﴾ قال ابن عباس: موعظة. ﴿وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ قال: يريد فيه الفرائض والحدود والأحكام [["تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 373. وانظر: "البغوي" 4/ 19، "زاد المسير" 7/ 33.]].