الباحث القرآني

إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ
قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾ في هذه الآية والتي بعدها مذهبان: أحدهما: مذهب المفسرين، وهو أن الآية نزلت في أبي جهل، قصد النبي -ﷺ- بحجر ليدمغه وهو يصلي، فيبست يده إلى عنقه حتى عاد إلى أصحابه، فذلك قوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا﴾. وهذا قول مقاتل والكلبي [[انظر: "الطبري" 22/ 152، "بحر العلوم" 3/ 94، "الماوردي" 5/ 7، "البغوي" 4/ 6، "زاد المسير" 7/ 6، وأصل الحديث في البخاري "كتاب التفسير"، تفسير سورة إقرأ عند قوله تعالى: ﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ 4/ 1896 رقم الحديث (4675) من طريق عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما. وقال الحافظ ابن حجر في "تخريج أحاديث الكشاف" 3/ 161: رواه أبو نعيم في "دلائل النبوة" قال: وهو في أوائل سيرة ابن هشام من قول ابن إسحاق في كلام طويل.]]. والثاني: مذهب أهل المعاني: وهو أن هذا على طريق المثل ولم يكن هناك غل [["معاني القرآن" للفراء 2/ 272، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 475، "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 280.]]، أراد: منعناهم عن الإيمان بموانع، وهذا قول أبي عبيدة [[انظر: "القرطبي" 15/ 8، "فتح القدير" 4/ 361.]]. وقال الفراء: معناه إنا حبسناهم عن الإنفاق في سبيل الله [["معاني القرآن" 2/ 273.]]. وكان هذا الوجه أوضح؛ لقوله فيما بعد: ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ﴾ الآية. ﴿فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ﴾ قال الفراء: (هي كناية عن الإيمان ولم يذكر، وذلك أن الغل لا يكون إلا في اليمين والعنق، جامعًا لليمين والعنق فكفى ذكر أحدهما عن صاحبه كما قال: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ [البقرة: 182] فضم الورثة إلى الوصي ولم يذكروا؛ لأن الصلح بما بقى من الوصي والورثة، ومثله قول الشاعر: وما أدري إذا يممت وجهًا ... أريد الخير أيهما يليني [[البيت من الوافر، وهو للمثقب العبدي في نونيته، في "ديوانه" ص 212، "الخزانة" 11/ 80، وبلا نسبة في: "معاني القرآن" للفراء 2/ 372، "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 4/ 279.]] وإنما ذكر الخبر وحده، ثم قال: [أيهما] [[هكذا جاء في النسخ، وما بين المعقوفين يظهر أنه زائد؛ لأنه ليس في "معاني القرآن" للفراء، ولا معنى له كذلك.]] وذلك أن الشر يذكر مع الخير، وهي في قراءة عبد الله (إنا جعلنا في أيمانهم) فكفت الأيمان عن ذكر الأعناق في حرف عبد الله، وكفت الأعناق في قراءة العامة) [["معاني القرآن" 2/ 372 - 373.]] عن ذكر الأيمان ونحو هذا قال الزجاج سواء، قال: (ومثل هذا قوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ ولم يذكر البرد؛ لأن ما يقي الحر يقي البرد) [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 280.]]. وقوله: ﴿فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾. قال الفراء: المقمح: الغاض بصره بعد رفع رأسه. [[في (ب): (صوته)، وهو خطأ.]] [["معاني القرآن" 2/ 373.]] هذا قول. ونحو ذلك قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 279.]]. ومعنى الإقماح في اللغة: رفع الرأس وغض البصر، يقا ل: أقمح البعير رأسه وقمح. قال أبو عبيد: يقمح البعير قمح قموحًا إذا رفع رأسه ولم يشرب الماء [[انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 81 (قمح)، "اللسان" 2/ 566 (قمح).]]. وقال الأصمعي: بعير قامح، إذا رفع رأسه عن الحوض ولم يشرب، وجمعه قماح [[انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 81 (قمح)، "اللسان" 2/ 566 (قمح).]]. وأنشد الفراء وجميع أهل اللغة قول بشر [[هو: بشر بن أبي خازم عمرو بن عوف الأسدي، أبو نوفل، شاعر جاهلي فحل، عدَّه ابن سلام في الطبقة الثانية من طبقات فحول أهل الجاهلية، وهو من شجعان أهل نجد، مات سنة 22 قبل الهجرة. انظر: "الشعر والشعراء" 1/ 190، "طبقات فحول الشعراء" 1/ 97، "الخزانة" 2/ 262. والبيت من الوافر، وهو في: "ديوان بشر" ص 48، "لسان العرب" 2/ 566. (قمح)، "تاج العروس" 7/ 63 (قمح)، "تهذيب اللغة" 4/ 81 (قمح)، "أساس البلاغة" ص 377 (قمح).]] يصف سفينة: ونحن على جوانبها قعود ... نغض [[في (أ): (يفض)، وهو خطأ.]] الطرف كالإبل القماح قال أبو إسحاق: (وقيل للكانونين: [[يقصد: شهري كانون أول وكانون ثاني.]] شهرا قماح لأن الإبل إذا وردت الماء ترفع رأسها لشدة برده [[في (ب): (برد)، وهو خطأ.]]) [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 279.]]. وأنشد أبو زيد للهذلي: فتًى ما الابن الأعر إذا استويا ... وحب الراد سميا في شهري قماح [[هكذا ورد البيت في النسخ، وهو خطأ، والصواب: فتًى ما ابن الأغر إذا شتونا ... وحُبَّ الزاد في شهري قُماح والبيت لخالد بن مالك الهذلي، وهو من الوافر، في "ديوان الهذليين" 3/ 5، "المذكر والمؤنث" لابن الأنباري ص 532، "تهذيب اللغة" 4/ 81، "اللسان" 2/ 566 (قمح)، "البحر المحيط" 7/ 312.]] [[انظر: "الدر المصون" 5/ 476، "البحر المحيط" 7/ 312.]] لكراهة كل ذي كبد شرب الماء، والقمح نحو من قمح. قال الأزهري: وأراد جل وعز أن أيديهم إنما غلت عند أعناقهم رفعت الأغلال أذقانهم ورؤوسهم صعدا كالإبل رافعة رأسها [["تهذيب اللغة" 4/ 81.]]. هذا كلامه وتأويله: فهم مقمحون أي: مرفوعو الرؤوس برفع الأغلال إياها، يدل عليه قول قتادة في تفسير ﴿مُقْمَحُونَ﴾ قال: مغلولون [[انظر: "الطبري" 22/ 151، "بحر العلوم" 3/ 94، "مجمع البيان" 8/ 651.]].