الباحث القرآني

وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ ومضى الكلام في تفسير السد والقراءة فيه [[عند الآية: 94: الكهف، وهي قوله تعالى: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾. قال المؤلف هناك رحمه الله: قرئ بالفتح والضم. قال أبو عبيدة: السد بالضم، إذا كان مخلوقًا من فعل الله تعالى، فإن كان من فعل الآدميين فهو سَد بالفتح، وهذا قول عكرمة والأخفش. وقال الكسائي: ضم السين وفتحها سواء.]]. قال مقاتل: لما عاد أبو جهل إلى أصحابه ولم يصل إلى ما قصد من النبي -ﷺ-. وسقط الحجر من يده، أخذ الحجر رجل آخر من بني مخزوم وقال: أنا أقتله بهذا الحجر، فلما دنا من النبي -ﷺ- طمس الله على بصره فلم ير النبي -ﷺ- ورجع إلى أصحابه فلم يبصرهم حتى نادوه، فذلك وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا﴾ حين لم ير أصحابه [["تفسير مقاتل" 105 ب.]]. ونحو هذا قال الكلبي [[انظر: "بحر العلوم" 3/ 94.]]. وقال ابن عباس في رواية عطاء: يريد يمنعهم [من الهدى] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] لما سبق في علمه [[في (أ): (علمهم)، وهو خطأ.]] عليهم [[لم أقف عليه.]]. وهذا موافق لمذهب أهل المعاني. وقوله: ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ﴾، قال الفراء: ألبسنا أبصارهم غشاوة [["معاني القرآن" 2/ 373.]]. قال ابن قتيبة: أي عيونهم وأعميناهم عن الهدى [["تفسير غريب القرآن" ص 363.]]. والتأويل: أغشينا أعينهم بالعمى، فحذف المضاف والمفعول الثاني للعلم بأن ما يلبس العين إنما هو العمى. وقوله ﴿فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾، قال ابن عباس: يريد سبيل الهدى [[انظر: "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف 369، وأورد هذا القول ونسبه لقتادة القرطبي 14/ 10، وأورده غير منسوب: البغوي 4/ 6.]]. وذكر أبو إسحاق المذهبين فقال: (هذا فيه وجهان: أحدهما: قد جاء في التفسير وهو أن جماعة أرادوا بالنبي -ﷺ- سوءًا فحال الله بينهم وبين ذلك، فجعلوا بمنزلة من هذه حالة ممن غلت يده وسط [[هذا في جميع النسخ، والصواب: وسُدَّ، كما في "معاني القرآن وإعرابه"]] طريقه من بين يديه ومن خلفه وجعل على بصره غشاوة، قال: ويجوز أن يكون وَصَفَ إضلالهم أي: أضللناهم فأسكنا أيديهم عن النفقة في سبيل الله والسعي فيما يقرب إلى الله كما قال -عز وجل-: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: 7] قال: ودليل هذا القول قوله في أثر هذا.