الباحث القرآني

وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ
قوله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ أي: جعلنا الذبح فداء له وخلصناه من الذبح، والذبح مصدر ذبحت، والذبح ما يذبح. واختلفوا في هذا الذبح، فقال ابن عباس في رواية عطاء: يريد الكبش الذي تقرب به هابيل بن آدم إلى الله تعالى فقبله، وكان في الجنة يرعى حتى فدى الله به إسماعيل [[انظر: "الماوردي" 5/ 62، "البغوي" 4/ 35، "القرطبي" 15/ 107.]]. وقال آخرون: أرسل إليه كبشًا من الجنة قد رعى أربعين خريفًا، وهو رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: بكبش قد رعى في الجنة أربعين خريفًا وهو قول معمر وقتاد [[انظر: المصادر السابقة، "تفسير عبد الرزاق" 2/ 152.]]. وروى جعفر بن إياس [[هو: جعفر بن إياس اليشكري البصري الواسطي، أحد الأئمة الحفاظ، حدَّث عن بشر بن ثابت والشعبي، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وطاووس وعن خلق غيرهم. وعنه الأعمش وشعبة وأبو عوانة وشعبة الحجاج وغيرهم. وثَّقه أبو حاتم وأبو زرعة وابن معين وغيرهم. مات سنة 124 هـ وقيل 123، وقيل 125 هـ == انظر: "تهذيب الكمال" 5/ 5، "سير أعلام النبلاء" 5/ 465، "الطبقات الكبرى" 7/ 253.]] عن ابن عباس قال: خرج عليه كبش من الجنة وقد رعاها قبل ذلك بأربعين خريفًا [[انظر: "الماوردي" 5/ 62، "البغوي" 4/ 35، "القرطبي" 15/ 107، "تفسير عبد الرزاق" 2/ 152 كلهم عن ابن عباس.]]. وقال السدي: نودي إبراهيم فالتفت فإذا هو بكبش أملح انحط من الجبل، فقام عند ذلك إبراهيم فأخذه وذبحه وخلى عن ابنه، وأعتق ابنه وقال: يا بني اليوم وُهِبتَ لي. قال: وبلغنا أن الكبش رعى في الجنة أربعين خريفاً [[لم أقف عليه عن السدي.]]. وقال مقاتل: وكان رعى في الجنة أربعين سنة قبل أن يذبح وكان من غير نسل [["تفسير مقاتل" 113 أ.]] وقال آخرون: كان ذلك الذبح، وعلا انحط عليه من الجبل. قال الحسن: ما فدى إسماعيل إلا بتيس من الأروى، انحط عليه من جبل ثبير [[ثبير: جبل بمكة يشرف على مني. انظر: "معجم البلدان" 2/ 73.]]، فذبحه إبراهيم فداء عن ابنه [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 247 ب، "البغوي" 4/ 35، "القرطبي" 15/ 107، "زاد المسير" 7/ 77، "ابن كثير" 4/ 16، "مجمع البيان" 8/ 708.]]، فضحوا عباد الله وأعلموا أن الذبح يدفع منية السوء. وروي عن علي -رضي الله عنه- أنه قال في قوله: (بذبح) قال: كبشٌ أعين أقرن أملح مربوط بسمرة في بثير [[انظر: "الطبري" 23/ 86، "تفسير ابن كثير" 6/ 14.]]. وهذا قول الكلبي في رواية أبي صالح عن ابن عباس [[انظر: المصادر السابقة، "تفسير الثعلبي" 3/ 247 ب. وقد أورد هذا الأثر السيوطي في "الدر المنثور" 7/ 105، وعزاه لأحمد وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والبيهقي في شعبه عن ابن عباس.]]. وقوله: ﴿عَظِيمٍ﴾ قال مجاهد: متقبل [["تفسير مجاهد" ص 545.]]. وعلى هذا سمي عظيمًا لعظم قدره، حيث قبل فداء عن إبراهيم. وعند غيره سمي عظيمًا لعظمه وسمنه. قال سعيد بن جبير: حق له أن يكون عظيمًا وقد رعى في الجنة أربعين خريفًا [[انظر: "الطبري" 23/ 87، "تفسير الثعلبي" 3/ 247 ب، "زاد المسير" 7/ 77.]].