الباحث القرآني

بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ
قوله تعالى: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ الكلام في معنى بل قد تقدم عند قوله: ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ﴾ [الكهف: 48] [[انظر: "البسيط" قال: بل هنا لتؤذن بتحقيق ما سبق وتوكيد ما يأتي بعده. وقد تجيء بل في الكلام لترك ما سبق من غير إبطال له.]]، وأما عجبت ففيه قراءتان: ضم التاء وفتحها، والضم قراءة ابن عباس وابن مسعود والأعمش، وقراءة قراء الكوفة واختيار أبي عبيد، وكان شريح يقول: بل عجبتَ، ويقول إن الله لا يعجب من شيء إنما يعجب من لا يعلم. قال الأعمش: فذكرت ذلك لإبراهيم فقال: كان شريح يعجب بعلمه وكان عبد الله أعلم منه وكان يقرأ: (بل عجبتُ) [[أورده عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 148 بسنده عن الثوري عن الأعمش عن أبي وائل، والفراء في "معاني القرآن" 2/ 384.]] [[انظر حول هذه القراءة. "الحجة" 6/ 53، "علل القراءات" 2/ 574، "الطبري" 23/ 42.]]. قال أبو عبيد: والشاهد مع هذا قول الله: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ [الرعد: 5] أخبر جل جلاله أنه عجيب، ومما يزيده تصديقًا الحديث المرفوع: "لقد عجيب الله البارحة من فلان وفلادة" [[هذا جزء من حديث طويل أخرجه البخاري في "صحيحه" كتاب التفسير، باب ويؤثرون على أنفسهم 4/ 1845 رقم 4607، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: أتى رجل رسول الله -ﷺ- فقال: يا رسول الله أصابني الجهدُ، فأرسل إلى نسائه فلم يجد عندهن شيئًا، فقال رسول الله -ﷺ-: "ألا رجل يُضَيَّفه هذه الليلة". فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله، فذهب إلى أهله فقال لامرأته: ضيف رسول الله -ﷺ- لا تدَّخريه شيئًا. قالت: والله ما عندي إلا قوت الصبية. قال: فإذا أراد الصبية العشاء فنَومِّيهم وتعالى فاطفئي السراج ونطوي بطوننا الليلة ففعلت. ثم غدا الرجل على النبي -ﷺ- فقال: "لقد عجب الله -عز وجل-، أو ضحك من فلانٍ وفلانةٍ" فأنزل الله -عز وجل -: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾.]]. وقال الفراء: (العجب وإن أسند إلى الله فليس معناه من الله كمعناه من العباد، ألا ترى أنه قال: ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: 79]. وليس السُخْرِيّ من الله كمعناه من العباد) [["معاني القرآن" 2/ 384.]]. وقال أبو إسحاق: (العجب من الله خلاف العجب من الآدميين هذا كما قال: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: 30]، وقال: ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: 79]، وقال: ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: 142] ، والمكر من الله والخداع خلافه من الآدميين. وأصل العجب في اللغة أن الإنسان إذا رأى ما ينكره ويقل مثله قال عجبت من كذا وكذا، وكذلك إذا فعل الآدميون ما ينكره الله -عز وجل- جاز أن يقول: عجبت. والله -عز وجل- قد علم الشيء قبل كونه، ولكن الإنكار والعجب الذي به تلزم الحجة عند وقوع الشيء انتهى كلامه) [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 300.]]. وقد ثبت جواز إضافة العجب إلى الله، وهو على وجهين: عجيب مما يرضى وعجب مما يكره، فالعجب مما يرضى معناه في صفة الله الاستحسان وأخبر عن تمام الرضى. والعجب بما يكره الإنكار والذم له. وذهب قوم إلى أنه لا يجوز العجب في وصف الله، وقالوا في قوله: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ [الرعد: 5] أي: فعجب عندكم، وقالوا في هذه القراءة: معناها أن هذه الحالة وهي إنكارهم البعث مع وضوح الدلالة عليه وهو الإبتداء والإنشاء حلت محل الشيء الذي إذا ورد عليكم عجبتم منه، ويقول سامعها عجبت كما أن قوله: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ [مريم: 38] معناه أن هؤلاء مما [يقولون أنتم فيه هذا النحو من الكلام، وكذلك قوله: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [البقرة: 175]. عند من لم يجعل اللفظ على الاستفهام، وعلى هذا النحو قوله: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: 44] [[ما بين المعقوفين يبدو أنه كلام لا علاقة له بالسياق فلعله وهمٌ من النساخ.]]. قالوا: ولا يجوز العجب في وصف القديم [[وصف الله جل وعلا بالقديم مما أدخله المتكلمون في أسماء الله تعالى وليس من أسمائه الحسنى، لأن القديم في لغة العرب هو المتقدم على غيره، وقد جاء الشرع المطهر باسمه الأول، وهو أحسن من القديم، لأنه يشعر أن ما بعده آيل إليه. انظر: "شرح العقيدة الطحاوية" 1/ 77.]] كما يكون في وصف الإنسان؛ لأن العجب منا إنما يكون إذا شاهدنا ما لم نشاهد مثله ولم نعرف سببه، وهذا منتف عن القديم سبحانه وتعالى، وهذا مذهب المعتزلة. ومذهب أهل السنة أن العجب قد ورد مضافًا إلى الله في كثير من الأخبار كما روى: "عجب ربكم من إلِّكُم وقنوطكم، وعجب ربكم من شاب ليست له صبوة" [[أخرج ابن الأثير في "النهاية في غريب الحديث" 1/ 61 أول الحديث وفي 3/ 11 آخر الحديث "وعجب ربكم من شاب ليست له صبوة". والزمخشري في "الفائق" 1/ 52، أول الحديث: "عجب ربكم من إلكم وقنوطكم". وابن الجوزي في "غريب الحديث" 1/ 36 أول الحديث، وإلّكم من الإِلّ، قال ابن الأثير في "النهاية" 1/ 61: الإِلُّ: شدة القنوط، ويجوز أن يكون رفع الصوت بالبكاء. وقال الزمخثمري في "الفائق" 1/ 52: الإِل والألل والأليِّل رفع الصوت بالبكاء. والمعنى أن إفراطكم في الجؤار والنحيب فعل القانطين من رحمة الله مستغرب مع ما ترون من آثار الرأفة عليكم.]] ومعناه ما ذكرنا. والعجب الذي ذكروا أنه لا يجوز في وصف الله لا نجوزه نحن، ولكن من حيث اللفظ قد ورد العجب في وصفه، وتأويله ما ذكرنا [[تأويل المؤلف لصفة العجب الذي يشير إليه بقوله ما ذكرنا لم أقف عليه. والذي يظهر لي والله أعلم أن المؤلف رحمه الله قد اضطرب في فهم هذه الصفة أو في إثباتها، فمذهب الأشاعرة هو تأويل هذه الصفة. أما أهل السنة والجماعة فإنهم يثبتون لله جل وعلا ما أثبته لنفسه وما أثبته له نبيه -ﷺ- من الصفات من غير تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه ولا تعطيل. انظر: "شرح العقيدة الطحاوية" 1/ 60.]]. وأما معنى الآية والمفسرون على فتح التاء وذكروا فيه قولين، أحدهما: عجبت يا محمد من القرآن حين أوحي إليك ﴿وَيَسْخَرُونَ﴾، يعني كفار مكة سخروا من النبي حين سمعوا منه القرآن، هذا قول مقاتل [["تفسير مقاتل" 110 أ.]]. وقال قتادة [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 148، "الطبري" 23/ 44، "معاني النحاس" 6/ 15.]]: عجب نبي الله من هذا القرآن حين أنزل عليه وضلال بني آدم، والمعنى أنه -ﷺ- كان يظن أن كل من يسمع منه القرآن يؤمن به، فلما سمع المشركون القرآن فسخروا منه وتركوا الإيمان به عجب محمد -ﷺ- من ذلك، فقال الله تعالى عجبت يا محمد من نزول الوحي وتركهم الإيمان وهو معنى قوله: ﴿وَيَسْخَرُونَ﴾، لأن سخرتهم من ترك الإيمان به. والقول الثاني: عجبت من إنكارهم البعث وهم يسخرون منك ويستهزئون من تعجبك، وهذا قول الكلبي [[انظر: "زاد المسير" 7/ 49.]] ومعنى قول ابن عباس [[لم أقف عليه عن ابن عباس. وانظر: "القرطبي" 15/ 69، "زاد المسير" 7/ 49.]] في رواية عطاء، وذكر أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 300.]] القولين جميعاً. وعلى القول الأول: العجب من نزول الوحي وسخرتهم بالنبي -ﷺ- والقرآن. والواو في: ﴿وَيَسْخَرُونَ﴾ واو الحال، والتقدير: بل عجبت وهم يسخرون أن وقع العجب منك في هذه الحال منهم. وعلى القول الثاني: العجب من إنكارهم البعث والواو في: ﴿وَيَسْخَرُونَ﴾ واو الاستئناف. وأما معنى الآية على قراءة من قرأ بالضم فقد ذكرنا فيه قولين، فمن أجاز إضافة العجب إلى الله على معنى الإنكار، كان تأويل الآية أن الله تعالى ذكر إنكاره عليهم ما هم فيه من الكفر والتكذيب، وسخطه عليهم وهم يسخرون ويستهزئون ولا يتفكرون. وعلى قول من لم يضف العجب إلى الله معنى الآية كمعناها في قراءة من قرأ بالفتح [[انظر: "الحجة" 6/ 53، "القراءات وعلل النحويين فيها" 2/ 574.]]. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ (13) وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ أي: إذا وعظوا بالقرآن لا يتعظون به، ﴿وَإِذَا رَأَوْا آيَةً﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يعني انشقاق القمر بمكة [[انظر: "بحر العلوم" 3/ 112، "البغوي" 4/ 24، "تفسير مقاتل" 110 أ.]] ﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾، قال أبو عبيدة [["مجاز القرآن" 2/ 167.]]: يستسخرون ويسخرون سواء، وهو قول المفسرين، قالوا كلهم: يسخرون ويستهزئون ويقولون: هذا عمل السحرة وهو قوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾، وقال ابن قتيبة: (يقال سخر واستسخر كما يقال قرَّ واستقر، وعجب واستعجب، وأنشد قول أوس: ومستعجبٍ مما يرى من أناتنا [[عجز بيت وصدره: ولو زبنته العرب لم يترمرم وهو من الطويل لأوس بن حجر في "ديوانه" ص 121، "تفسير غريب القرآن" ص 370، "اللسان" 2/ 69 - 15/ 147، "الكامل" 2/ 1143.]] قال: ويجوز أن يكون يسألون غيرهم من المشركين أن يسخروا من النبي -ﷺ-، كما تقول استعتبته أي سألته العتبى واستوهبته) [["تفسير غريب القرآن" ص370.]] ونحو ذلك. وقال أبو إسحاق في قوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أي جعلوا ما يدل على التوحيد مما يعجزون عنه سحرًا) [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 300.]].