الباحث القرآني

قوله: ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾ قال ابن مسعود ومسروق ومجاهد ومقاتل: هم الملائكة [[انظر: "الطبري" 23/ 34، "الماوردي" 5/ 37، "زاد المسير" 7/ 45.]]. قال ابن عباس: يريد ملائكة يتلون ذكر الله -عَزَّ وَجَلَّ- [[انظر: المصادر السابقة.]]. وقال مقاتل: هو جبريل يتلو القرآن على الأنبياء من ربهم، وهو الملقيات ذكرًا يلقي الذكر على الأنبياء [["تفسير مقاتل" 109 ب.]]. وعلى هذا المراد جبريل، وذكر بلفظ الجمع إشارة إلى أنه كبير الملائكة، فهو لا يخلو من أعوان وجنود له من الملائكة يعرجون بعروجه وينزلون بنزوله [[انظر: "القرطبي" 15/ 92، "فتح القدير" 4/ 386.]]. وقال السدي: هم الملائكة يتلون الذكر على الأنبياء [[انظر: "الطبري" 23/ 34، "بحر العلوم" 3/ 110، "مجمع البيان" 8/ 684.]]. وقال الكلبي: هو قراءة الكتاب [[انظر: "الوسيط" 3/ 521.]]. قال أبو إسحاق: ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (3)﴾ جائز أن يكون الملائكة وغيرهم ممن يتلون ذكر الله -عَزَّ وَجَلَّ- [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 297.]]. قال قتادة: (التاليات ذكرًا) ما يتلى من أي القرآن [[انظر: "الطبري" 23/ 34، "الماوردي" 5/ 37، "زاد المسير" 7/ 45.]]. وهذا يحمل على تفسير الذكر؛ لأن التاليات لا يكون ما يتلى. وأما هذه الفاءات هاهنا وفي سورة الذاريات والمرسلات. فالفاء في العطف تؤذن أن الثاني بعد الأول بخلاف الواو، فإنه لا يدل على المبدوء به والفاء يدل كقولك: دخلت الكوفة فالبصرة، فالفاء هاهنا تؤذن أن دخول الكوفة كان قبل دخول البصرة [[انظر: "الكشاف" 3/ 295.]]، وفي هذه الآية يدل على أن الله تعالى ذكر القسم أولاً بالصافات ثم بالزاجرات ثم بالتاليات. وذكر صاحب النظم أن الفاء هاهنا جواب وما قبله سبب له، كما تقول قام فمر، واضطجع فنام، فالقيام سبب للمرور والاضطجاع سبب للنوم. وتأويل الآية: والتي تصف صفًّا فتزجر زجرًا، فالصف سبب الزجر والزجر سبب التلاوة. قال: ويدل على هذا قوله: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (1) فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا﴾ [المرسلات: 1 - 2]، ثم استأنف قسمًا آخر منقطعًا مما قبله غير منسوق عليه بالواو فقال: ﴿وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا﴾ وهذه الواو واو قسم، وعلى ما ذكره يجب أن يكون الصافات والزاجرات والتاليات جنسًا واحدًا وعصبة من الملائكة اجتمعت فيهم هذه الصفات [[في (أ): (الصافات).]]. ولا يجوز أن يكون الزاجرات غير الصافات [[في (ب) تقديم وتأخير هكذا: (الصافات غير الزاجرات ...).]]، وعلى ما ذكر أولاً يجوز أن يكون كل من الصافات والزاجرات والتاليات عصبة سوى الأخرى، وهو ظاهر قول المفسرين. وأما التاءات التي في الصافات والزاجرات والتاليات فإنها تقرأ بالإظهار، وأدغمها حمزة فيما بعدها، وهو قراءة عبد الله. وإدغام التاء في الصاد حسن لمقاربة الحرفين، ألا ترى أنها من طرف اللسان وأصول الثنايا، ويجتمعان في الهمس، والمدغم فيه يزيد على المدغم بالإطباق والصفير، وحسن أن يدغم الأنقص في الأزيد، ولا يجوز أن يدغم الأزيد صوتاً في الأنقص. وإدغام التاء في الزاي حسن أيضًا، لأن التاء مهموسة والزاي مجهورة. وفيها زيادة صفير كما كان في الصاد. وكذلك حسن إدغام التاء في الذال في قوله: ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾ لاتفاقهما في أنهما من طرف اللسان وأصول الثنايا. وأما من قرأ بالإظهار وترك الإدغام فذلك لاختلاف المخارج، وأن المدغم فيه ليس بلازم، فلم يدغموا لتباين المخارج وانتفاء اللزوم، ألا ترى أنهم يثبتون نحو [أفعلَ] [[ما بين المعقوفتين مطموس في جميع النسخ، وما أثبت من الحجة لأبي علي لأن الكلام قد يكون بنصه منقولًا عنها من قوله: وأما التاءات التي في الصافات. "الحجة" 6/ 49 - 50.]] وإن كان من كلمة واحدة لما لم يلزم التاء هذا البناء، فما كان من كلمتين منفصلتين أجدر بالبيان [[انظر: "الحجة" 6/ 49، "علل القراءات" 2/ 573، "الحجة في القراءات السبع" ص 300.]].
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.