الباحث القرآني

لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ
قوله: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾ قال الفراء: العرب تقول ليس فيها غيلة وغائلة وغول [["معاني القرآن" 2/ 385.]] سواء. وقال أبو عبيدة: (الغول أن تغتال عقولهم وأنشد قول مطيع بن إياس [[هو: مطيع بن إياس الكناني من بني ليث بن بكر وقيل من بني الديل بن بكر، يكنى أبا مسلم، شاعر ظريف حلو العشرة، مليح النادرة، وكان متهمًا بالزندقة، أدرك الدولتين الأموية والعباسية، ولاه المهدي العباسي الصدقات بالبصرة ومات فيها. انظر: "معجم الشعراء" ص 480، "خزانة الأدب" 10/ 223، "سمط اللآلئ" ص 600، "الأعلام" 11/ 509 (غول)، "الدر المصون" 5/ 552، "البحر المحيط" 7/ 350.]]: وما زالت الكأس تغتالهم ... وتذهب بالأول الأول [["مجاز القرآن" 2/ 169.]] وقال ابن قتيبة: أي لا تغتال عقولهم فتذهب بها، يقال الخمر غول للعلم، والحرب غول للنفوس [["تفسير غريب القرآن" ص370.]]، وغالني هؤلاء أي أذهبني. وقال الليث: الغول الصداع يقال ليس فيها صداع [[لم أقف على القول منسوبًا لليث. وانظر: "تهذيب اللغة" 8/ 192،"اللسان" 11/ 509 (غول).]]، هذا كلام أهل اللغة في الغول، وحقيقة الإغلال [[في (أ): (الإهلاك)، وهو تصحيف، وهكذا أثبت في (ب)، ولعله تصحيف أيضًا والصواب (الغول).]]. يقال غاله غولاً أي أهلكه، والغول والغائلة المهلكة، ثم يسمى الوجع غولًا لأنه يؤدي إلى الهلاك [[انظر: "تهذيب اللغة" 8/ 192 (غول).]]. وأكثر المفسرين قالوا في الغول: إنه الوجع في البطن والرأس، وهو قول مجاهد وقتادة قالوا: لا يوجع [[انظر: "تفسير مجاهد" ص 541، "تفسير عبد الرزاق" 2/ 148، "تفسير الطبري" 23/ 54.]]. وقال مقاتل: لا يوجع الرأس كفعل خمر [[في (ب): (كفعل الخمر في الدنيا).]] الدنيا [["تفسير مقاتل" 111 أ.]]. وهو قول الحسن قال: غول صداع [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 241 ب، "البغوي" 4/ 27، "القرطبي" 15/ 79.]]. وقال الشعبي: لا يغتال عقولهم فيذهب بها [[انظر: المصادر السابقة.]]. وذكر أبو إسحاق القولين جميعاً في الغول فقال: لا تغتال عقولهم ولا يصيبهم منها وجع [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 303.]]. قوله: ﴿وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ وقرئ بكسر الزاي. قال الفراء: (من كسر الزاي فله معنيان، يقال أنزف الرجل إذا فنيت خمره، وأنزف إذا ذهب عقله من السكر. ومن فتح الزاي فمعناه: لا تذهب عقولهم أي لا يسكرون، يقال نزف الرجل فهو منزوف [["معاني القرآن" 2/ 385.]] ونزيف). ونحو هذا قال أبو إسحاق في من فتح، وقال في قراءة من كسر الزاي لا يُنفِدون شرابهم وهو دائم أبدًا لهم قال: ويجوز أن يكون يُنزفون يسكرون، وأنشد هو وأبو عبيدة وغيرهما فقال: لعمري لئن أنزفتمُ أو صحوتمُ ... لبئس الندامى كنتم آل أبجرا [[في (ب): (آل بجرا).]] [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 303، "مجاز القرآن" 2/ 169. والبيت من الطويل مختلف في نسبته فهو للأبيرد والرياحي في "مجاز القرآن" 2/ 269، "الصحاح" 4/ 1431 (نزف)، "اللسان" 9/ 327 (نزف)، "المحرر الوجيز" 4/ 472. وللحطيئة في "تفسير الثعلبي" 3/ 241 أ، والقرطبي 15/ 79. وللأسود في "الدر المصون" 5/ 501. وبلا نسبة في "تهذيب اللغة" 13/ 226، "علل القراءات" 2/ 318، "المحتسب" 2/ 308.]] وحقق أبو علي الكلام في هذه الآية فقال: (أنزف الرجل على معنيين: أحدهما: أنه يراد به السكر، وأنشد البيت وقال: ومقابلته له بصحوتم يدل على أنه يراد به سكرتم، والآخر: أنزف إذا نفد شرابه والمعنى: صار ذا نفادٍ لشرابه، كما أن الأول معناه النفاد في عقله، فقول من كسر الزاي يجوز أن يراد به لا يسكرون عن شربها، ويجوز أن يراد به لا ينفد ذلك عنهم كما ينفد شراب أهل الدنيا، فإذا كان معنى لا ينفد شرابهم لأنك إن حملته على أنهم لا يسكرون صرت كأنك كررت لا يسكرون مرتين؛ وإن جعلت لا فيها غول على لا [[في (أ): (ألا)، وهو خطأ.]] تغتال صحتهم ولا يصيبهم عنها العلل التي تحدث عن شربها حملت ينزفون على أنهم لا يسكرون، وعلى أنهم لا ينفد شرابهم، ومن فتح الزاي أراد لا يسكرون من نزف فهو منزوف إذا سكر، وليس من أفعل، ألا ترى أن أنزف بالمعنيين جميعًا لا يتعدى إلى المفعول به، فإذا لم يتعد إلى المفعول به لم يجز أن يبنى له) [["الحجة" 6/ 54 - 55.]] انتهى كلامه. وأصل النزف في اللغة الاستخراج، يقال نزفتُ البئر إذا استقيتُ ماءها، ونزف فلان دمه إذا استخرجه بحجامة أو فصد وهذا هو الأصل، ونزف الرجل إذا سكر معناه استخرج عقله، وأنزف إذا سكر أي صار إلى حالة نزف العقل عنه، وأنزف إذا نفد شرابه معناه أنه صار إلى حالة نفاد الشراب بنزفه وإنفاده [[انظر: "مقاليس اللغة" ص 1022 (نزف)، "تهذيب اللغة" 13/ 225 (نزف)، "اللسان" 9/ 325 (نزف).]]. واختار أبو عبيد كسر الزاي لاحتمال المعنيين [[لم أقف على اختيار أبي عبيد.]]. وأما المفسرون فإنهم فسروا لا ينزفون لا يسكرون ولا تذهب عقولهم، وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة والكلبي ومقاتل [[انظر: "تفسير مجاهد" ص 540، "تفسير عبد الرزاق" 2/ 148، "الطبري" 23/ 55، "تفسير مقاتل" 111 أ، "معاني القرآن" للنحاس 6/ 24، ولم أقف عليه عن الكلبي.]].