الباحث القرآني

جديد: مقرئ المتون
كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ
قوله: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ المكنون معناه في اللغة: المستور، يقال كننت الشيء وأكننته وقد سبق [[عند قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ [الأنعام: 25].]] الكلام فيه. وقال أبو عبيدة: (المكنون المصون وكل لؤلؤ أو بيض أو متاع صنته فهو مكنون) [["مجاز القرآن" 2/ 170.]]. قال أبو إسحاق: (يقال كننت الشيء إذا سترته وصنته فهو مكنون) [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 304.]]. قال الحسن وابن زيد: شبههن ببيض النعام يكنها بالريش من الريح والغبار [[انظر: "الطبري" 23/ 75، "الماوردي" 5/ 48، "القرطبي" 15/ 80، "زاد المسير" 7/ 58.]]. وقال الكلبي: كأنهن بيض قد خبئ من الحر والقر [[لم أقف عليه عن الكلبي، وهو في "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 375.]]. وذكر قوم من المفسرين في هذا التشبيه ما لا يصح ولا يكون له وجه من حيث اللفظ ما ذكره الحسن وابن زيد. قال أبو إسحاق: أي كأن ألوانهن ألوان بيض النعام يكنه ريش النعام [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 304.]]. وقال المبرد: العرب تشبه المرأة الناعمة في ضيائها وحسنها وصفوة النعمة عليها ببيضة. قال الراعي: كأن بيض نعام في ملاحفها ... إذا اجتلاهن قيظ ليلةٌ ومِدُ [[البيت من "البسيط"، وهو للراعي في "ديوانه" ص 55، "تهذيب اللغة" 14/ 218، "اللسان" 3/ 470، "الكامل" 2/ 767. والملاحف هي الأغطية. والوقدُ هو ندًى يجيء في صميم الحر من قبل البحر مع سكون الريح. وقيل هو الحر أيًّا كان مع سكون الريح. انظر: "الكامل" 2/ 767.]] وقال ابن الرقيات: واوضح لونها كبيضة ادحى ... لها في النساء خلق عميم وقال أبو داود [[أبو داود لم أستطع تحديده وهناك أكثر من شاعر يكنى أبا داود: أ- أبو داود الإيادي، وهو جويرية بن الحجاج وقيل جارية- تقدمت ترجمته. ب - أبو داود الرواس زيد بن معاوية بن عمرو بن قيس بن رواس بن كلاب شاعر فارس. انظر: "المؤتلف والمختلف" ص 116. أما البيت فلم أقف عليه.]]: ممكورة تجلوا الظلام ركلةٍ ... ريا العظام كبيضة النغص [[علق في هامش كلا النسختين: (والنفص: النعام).]] وقال آخر [[نسب البيتين لعبد الصمد بن المعذل، ورواية الصدر في الأول: وهتكن بني الليل عني والسوالف أعلى العنق. والشجف هو السِّتر ولا يسمى سجفًا إلا أن يكون مشقوق الوسط. "اللسان" 9/ 144 (سجف)، "اللسان" 9/ 159 (سلف).]]: وهتكت بني الليل عن ... بيض السوالف والصفاح فكأنما ضحكت سجو ... ف الربط عن بيض الأداحي وقال امرؤ القيس [[البيتان من الكامل وهما لامرئ القيس ولم أقف عليهما في "ديوانه".]]: صادت فؤادك بالدلال جريرة ... صفراء رادعة عليها اللؤلؤ كعقيلة الأدحى بات يحفها ... ريش النعام وزال عنها الجؤجؤ أراد بعقيلة الأدحى: بيض النعام. وعلى هذا المعنى حمل [قول] [[ما بين المعقوفين مكرر في (ب).]] الكندي [[لم أهتدِ إليه ولم أقف على بيته.]]: وبيضة خدر لا يرام خباؤها وقال ابن زيد في هذه الآية: البيض بيض النعام أكنة الريش، فلونه أبيض في صفرة [[انظر: "الطبري" 23/ 57، "مجمع البيان" 8/ 692، "زاد المسير" 7/ 58.]]. قالوا: وهذه أحسن ألوان النساء أن تكون بيضاء مشربة صفرة. وقال سعيد بن جبير والسدي: إن الله تعالى شبههن ببطن البيض قبل أن تمسه الأيدي [[انظر: " الماوردي" 5/ 48، "القرطبي" 15/ 80، "زاد المسير" 7/ 58.]]، وليس بالوجه. قوله تعالى: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ يعني أهل الجنة. ﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾ قال مقاتل: يعني يتكلمون يكلم بعضهم [["تفسير مقاتل" 111 أ.]] بعضًا. وقال الكلبي: يتحدثون في الجنة عن أهل الدنيا [[لم أقف عليه عن الكلبي وذكر هذا القول غير منسوب القرطبي في "تفسيره" 15/ 83، ابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 59.]]. والمعنى يسأل هذا ذاك وذاك هذا عن أحوال كانت في الدنيا. يدل عليه ما ذكر الله -عز وجل- عن بعضهم أنه أخبر عن حال قرينه [معه] [[ما بين المعقوفين غير مثبت في (ب).]] كيف كانت في الدنيا وهو قوله: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ﴾ يعني أهل الجنة ﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾ [[في (ب): (إنه) بدلاً من (إني)، وهو خطأ.]] يعني أخًا كان له في الدنيا ينكر البعث وهو قوله: ﴿يَقُولُ﴾ أي يقول لي: ﴿أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾ بالبعث. والمفسرون مختلفون في هذين فمنهم من قال: كانا أخوين وهو قول مقاتل والكلبي [["تفسير مقاتل" 111 أ. انظر: "القرطبي" 10/ 399، "الماوردي" 3/ 305.]]. ومنهم من قال: كانا شريكين، وهو قول عطاء والسدي [[انظر: "القرطبي" 10/ 400، وأورده السيوطي في، "الدر" 7/ 90، عزاه لعبد الرزاق وابن المنذر عن عطاء، ولابن أبي حاتم عن السدي.]]، وقد قص الله قصتهما في سورة الكهف وهو قوله: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ [[آية 32، وما بعدها.]] الآيات. قال صاحب النظم: قوله: ﴿يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾ يقتضي مفعولًا للتصديق فلم [..] [[في جميع النسخ مقدار كلمة غير واضحة، ويمكن تقدير المحذوف بنحو (يذكره).]] حتى قال: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا﴾ وهذا أيضًا يقتضى جواباً فلما قال: ﴿أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ كان هذا جواباً لهما على تأويل أئنك لمن المصدقين، إنا لمدينون، فيكون موضع (إنا) نصبًا وكسرت ألفها لدخول اللام في خبر إن، وهذا الذي ذكره يصح على قراءة من قرأ إنا لمدينون بغير [ألف] [[ما بين المعقوفين غير مثبت في (أ).]] استفهام، فأما من قرأ بالاستفهام فمفعول التصديق مضمر على تقدير أئنك لمن المصدقين بالبعث [[انظر: "المبسوط في القراءات العشر" ص 316، "إرشاد المبتدي وتذكرة المنتهي" ص 385.]]، ودل عليه ما ذكر بعده من إنكاره البعث. قال أبو إسحاق: المعنى: كان لي قرين يقول أئنك ممن يصدق بالبعث بعد أن نصير ترابًا وعظامًا [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 304.]]، وهو قوله: ﴿أَإِذَا مِتْنَا﴾ الآية. قوله: ﴿لَمَدِينُونَ﴾ أي مجزيون ومحاسبون قاله المفسرون [[انظر: "الطبري" 23/ 60، "بحر العلوم" 3/ 115، "الماوردي" 5/ 49، "البغوي" 3/ 28.]]. ومضى الكلام في الدين [[مضى عند تفسير المؤلف رحمه الله للفاتحة قال المؤلف رحمه الله هناك: قوله تعالى: ﴿الدِّينِ﴾ قال الضحاك وقتادة: الدين الجزاء، يعني يوم يدين الله العباد بأعمالهم، تقول العرب: دنته بما فعل أي جازيته ومنه قوله: ﴿أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾.]].