الباحث القرآني

فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ ٱلۡعَـٰلَمِینَ
وقوله: ﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال مقاتل والكلبي: ما ظنكم إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره [["تفسير مقاتل" 112 أ، ولم أقف عليه عن الكلبي.]]. كأنه قال: ما ظنكم أنه يصنع بكم، هذا قول المفسرين [[انظر: "الطبري" 23/ 75، "بحر العلوم" 3/ 117، "البغوي" 4/ 30، "القرطبي" 15/ 92.]]. وذكر أهل المعاني وجهًا آخر: وهو أن المعنى أي شيء ظنكم بالله حيث عبدتم معه آلهة دونه [["معاني القرآن" للنحاس 6/ 39، "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 308.]]. كأنه قال أتظنون به أن عبادة غيره تجوز وأنه لا ينقم عليكم ذلك. قال أبو إسحاق: أي شيء ظنكم برب العالمين وأنتم تعبدون غيره [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 308.]]. قوله: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (88) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ روي عن ابن عباس أنه قال: كانوا يتعاطون علم النجوم فعاملهم من حيث كانوا لئلا ينكروا عليه [[انظر: "البغوي" 4/ 30، وأورد قول ابن عباس ولم ينسبه له ابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 67، والطبرسي في "مجمع البيان" 8/ 702.]]. وذلك أنه أراد أن يكايدهم في أصنامهم لتلزمهم الحجة في أنها غير معبودة، وأنها لا تصلح أن تعبد وكان لهم من الغد يوم عيد يخرجون إليه، فأراد أن يتخلف عنهم فاعتل بالسقم وهو قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ وقد ذكرنا هذه القصة عند قوله: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ [الأنبياء: 57] الآيات. فنظر إلى النجوم يريهم أنه مستدل بها على حاله فلما نظر إليها قال: إني سقيم، أي سأسقم، قال مقاتل: أي وجع غدا من نظره إلى الكواكب [["تفسير مقاتل" 112 أ.]]. فاعتل بذلك ليخلفوا [[هكذا جاءت في النسخ، ولعل الصواب: ليتخلف.]] من بعدهم، وأكثر المفسرين على أن تفسير السقم هاهنا يريد مطعون. وهو قول ابن عباس وسعيد بن جبير وابن إسحاق [[انظر: "الطبري" 23/ 71، "معاني القرآن" للنحاس 6/ 42، "بحر العلوم" 3/ 118، "القرطبي" 15/ 93.]]. ومطعون من الطاعون لا من الطعن. قال ابن إسحاق: كانوا يهربون من إذا سمعوا به. وإنما يريد إبراهيم أن يخرجوا ليبلغ من أصنامهم الذي يريد [[انظر: "الطبري" 123/ 71.]]. وقال عطاء عن ابن عباس: كان في ذلك الزمان نجم يطلع بالطاعون، وكان إذا طعن رجل منهم هربوا منه [[انظر: "البغوي" 4/ 31، "المحرر الوجيز" 4/ 478.]]. وعلى هذا معنى قوله: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾ ليريهم ذلك النجم وطلع وأنه مصاب [[في (أ): (مصيبت)، وهو خطأ.]] بالطاعون. قال الأزهري: (وأُثْبِتَ لنا عن أحمد بن يحيى أنه قال: هو جمع نجم، وهو ما نجم من كلامهم لما سألوه أن يخرج معهم إلى عيده فنظر نظرة، ونظر هاهنا تفكر ليدبر حجة فقال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾، أي: سقيم من كفرهم. وقال الليث: يقال للإنسان إذا تفكر ليدبر حجة وينظر في أمرٍ كيف يدبره نظر في النجوم. قال: وهكذا ما جاء [[هكذا في النسخ، والصواب كما في "تهذيب اللغة" بدون ما.]] عن الحسن في تفسيره، أي: فكر ما الذي يصرفهم عنه إذا كلفوه الخروج معهم) [["تهذيب اللغة" 11/ 128 (نجم).]] وعلى هذا معنى ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾ أي تفكر وتدبر ولم يكن هناك نجم ولا ينظر فيه. وعلى قول الضحاك [[انظر: "معاني القرآن" للنحاس 6/ 42، "القرطبي" 15/ 93.]] واختيار الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 308.]]. وهذا كما أنك تقول لمريض إذا استدللت على صحته بشيء: إنك صحيح، أي: ستصح، وتقول لمن رأيته على أوقات السفر: إنك مسافر [[انظر: "تفسير الفخر الرازي" 26/ 148.]]، وتأول في السقم أن كل واحد وإن كان معافاً لابد وأن يسقم ويموت قال الله [تعالى] [[ما بين المعقوفين غير مثبت في (أ).]]: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: 30] أي إنك ستموت فيما يستقبل. وذكرنا الكلام في هذا مستقصى عند قوله: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ [الأنبياء: 63] قال أبو إسحاق: (أوهمهم أن به الطاعون ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ فراراً من أن يعدى إليهم الطاعون) [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 308.]]. قال ابن عباس: مدبرين هاربين [[لم أقف عليه عن ابن عباس، وانظر: "الطبري" 23/ 72، "القرطبي" 15/ 93.]]. وقال الكلبي ومقاتل: ذاهبين إلى عيدهم [["تفسير مقاتل" 112 أ، وانظر: "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 377.]].
  1. أدخل كلمات آية ما لتظهر نتئاج.