الباحث القرآني

وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا ۚ إِنَّ الْإِنسَانَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾. قال صاحب النظم: رجع إلى ذكر الكفار الذين قدم ذكرهم في أول السورة، فابتدأ خبرًا عنهم من غير أن يصله في المعنى بما قبله؛ لأنه لا يتصل بشيء مما تقدمه، وإن كان منسوقًا عليه بواو العطف، ومعنى الجزء في اللغة: القطعة والنصيب، وجمعه أجزاء، ويقال: جزأت الشيء بينهم وجزأته، إذا قسمته، تخفف وتثقل [[انظر: "تهذيب اللغة" (جزى) 11/ 146، "اللسان" (جزأ) 1/ 47، "كتاب الجيم" ص 93.]]. وذكر المفسرون في هذا قولين: أحدهما: قال ابن عباس: يريد حيث جعلوا الملائكة بنات الله [[أخرج ذلك الطبري 13/ 55 عن مجاهد والسدي. ونسبه في "الوسيط" 4/ 66 لابن عباس ومجاهد والحسن.]]، وعلى هذا معنى الآية حكموا بأن بعض العباد وهم الملائكة له أولاد. فمعنى الجعل هنا الحكم بالشيء، وحُذِفَ من الكلام مفعولٌ هو مراد على تقدير: وجعلوا له من عباده جزءًا ولدًا أو بنات. القول الثاني: أن معنى الجزء هاهنا العدل والشبيه، وذلك أنهم عبدوا الملائكة والجن، فجعلوهم لله عدلًا وشبيهًا، وهذا معنى قول مقاتل وقتادة [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 790، "تفسير الطبري" وقد ذكر القولين 13/ 55 - 56، "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 396، "تفسير الماوردي" 5/ 219.]]، وتقدير هذا القول كتقدير القول الأول؛ لأن المعنى: وجعلوا له من عباده جزءًا عدلاً، فحذف أحد المفعولين، وذكر أبو إسحاق في الجزء قولاً آخر فقال: أنشدني بعض أهل العلم بيتًا يدل على [أن] [[زيادة يقتضيها السياق.]] معنى الجزء الإناث، ولا أدري البيت قديمٌ أم مصنوع وهو: إنْ أَجْزأَتْ حُرَّةٌ يومًا فلاَ عَجَبٌ ... قَدْ تُجْزِئُ الحُرَّةُ المِذْكَارُ أَحْيَانَا [[البيت استشهد به ابن قتيبة في "تفسير غريب القرآن" ص 396، والماوردي في "تفسيره" 5/ 219، وأبو حيان في "البحر" 8/ 8، "اللسان" (جزأ) 1/ 47. وقال الزمخشري: ومن بدع التفاسير تفسير الجزء بالإناث وادعاء أن الجزء في لغة العرب اسم للإناث ما هو إلا كذب على العرب ووضح محدث متحول ولم يقنعهم ذلك حتى اشتقوا منه أجزأت المرأة ثم صنعوا بيتاً وبيتاً: إن أجزأت حرة يوماً فلا عجب زوجتها من بنات الأوس مجزئة انظر: "الكشاف" 3/ 413.]] أي: إن ولدت أنثى، قال الأزهري: واستدل قائل هذا القول بقوله -عز وجل-: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف: 19] قال: وهذا القول ليس بشيء، والجزء بمعنى الإناث غير موجود في كلام العرب، والشعر القديم الصحيح لا يعبأ بالبيت الذي ذكره لأنه مصنوع [[انظر: "تهذيب اللغة" بتصرف يسير (جزى) 11/ 145.]]، ومعنى الآية: أنهم جعلوا لله من عباده نصيبًا، على معنى أنهم جعلوه نصيب الله من الولد، وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثًا، أي: وصفوهم بالأنوثة، وكذبوا في المعنيين جميعًا: في قولهم إنهم بنات الله، وفي أنهم إناث. قوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ﴾ يعني: إن الكافر (لكفور) لجحود لنعم الله (مبين) بيِّن الكفران، والاختيار: القول الأول لقوله: