الباحث القرآني

أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ
قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ﴾ قال مقاتل: ينبت في الزينة، يعني: الابنة [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 791.]] قال المبرد: تقدير الآية: أو يجعلون له من ينشأ في الحلية يعني البنات، ونحو هذا قال الزجاج والفراء [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 457، "معاني القرآن" للفراء 3/ 29، ولم أقف على قول المبرد.]]، وعلى هذا موضع (من) نصب، وهو اختيار أبي علي قال: موضع (من) نصب على تقدير: اتخذوا له من ينشأ في الحلية على وجه التقريع لهم بما افتروه [[انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 140.]]، وذكر الفراء قولين قال: وإن شئت جعلت (من) في موضع رفع على الاستئناف، وعلى هذا يضمر الخبر، قال: وإن رددتها على أول الكلام على قوله: ﴿بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ﴾ خفضتها [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 29.]]. وقرأ حمزة والكسائي: (ينشؤ) بالتشديد على غير تسمية الفاعل، وهي قراءة ابن عباس وابن مسعود [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 58، "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 646، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 71، "الإتحاف" ص 472.]]. قال أبو علي الفارسي: يقال: نشأت السحاب، ونشأ الغلام، فإذا نقل بالهمز تعدَّى إلى مفعول كقوله: ﴿وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾ [الرعد: 12] ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: 14] والأكثر في الأفعال التي لا تتعدى إذا أريد تعديتها أن ينقل بالهمزة، أو بتضعيف العين نحو: فرَّحته وأفرحته، وغرَّمته وأغرمته، وقد جاء منه شيء عدي بتضعيف العين دون الهمز وهو قولهم: لقيت خيرًا، ولقانيه زيد، ولا تقول: ألقانيه. ومن هذا قوله: ﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا﴾ [الفرقان: 75]. ﴿فَوَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً﴾ [الإنسان: 11] فيجوز أن يكون نشأ من ذلك، عدي بالهمزة دون التضعيف؛ لأنا لم نعلم نشأ، كما جاء بلغ وأبلغ، ونجَّى وأنجى، وإذا كان كذلك كان الأوجلى: أو من ينشأ من الإنشاء، ومن قال (ينشأ) فهو في القياس مثل: فرَّح وأفرح، وغرَّم وأغرم، وإن عزَّ وجود ذلك في الاستعمال. هذا كرمه [[انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 140.]]، وهو كما قال، فإن أحدًا من أهل اللغة لم يحكِ نشأ، ولا حكاه الأزهري عن أحد في كتابه، غير أن الكسائي قال: نشى فهو منشأ ينشأ وينشيه، واختار أبو عبيد هذه القراءة، قال: ومعناه أن الله تعالى فعل ذلك بهن [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 4/ 102، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 71.]]. قال المبرد: الفرق الذي ذكر أبو عبيد بين (ينشأ وينشا) ليس بشيء، لأنه إذا أنشئ نشأ، ولا ينشَّأ إلا أن ينشأ، وكذلك: إنك ميت، إنما هو ممات؛ لأنه لا يموت حتى يمات، وكذلك كل ما ينسب إلى العبد في خلقه [[قولا الكسائي والمبرد لم أقف عليهما، وانظر: "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 646.]]. قوله تعالى: ﴿وَهُوَ فِي الْخِصَامِ﴾ يعني المخاصمة ﴿غَيْرُ مُبِينٍ﴾ للحجة قاله الكلبي، وقال قتادة: قلما تتكلم امرأة بحجتها إلا تكلمت بالحجة عليها [[انظر: "تفسير عبد الرازق" 2/ 195، "الطبري" 13/ 57، "البغوي" 7/ 209.]]، وقال أبو إسحاق: إن الأنثى لا تكاد تستوفي الحجة ولا تبين [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 407.]]، والمعنى: أنهم نسبوا إلى الله ما يكرهونه، ومن لا يكاد يقوم بحجته أو يستوفيها، وهذا في ظاهره استفهام وهو إنكار وردٌّ، وهو الذي ذكرنا من أن المراد بالآية البنات، وهو قول جماعة أهل التفسير [[انظر: "تفسير عبد الرازق" 2/ 195، "الطبري" 13/ 57، "الماوردي" 5/ 219.]] وقد قال ابن زيد: هذه تماثيلهم التي يضربونها من فضة وذهب وينشؤنها في الحلية ثم يعبدونها [[أخرج ذلك الطبري 13/ 57 عن ابن زيد، ونسبه الثعلبي 10/ 80 ب لابن زيد، وانظر: "تفسير الماوردي" 5/ 220.]]، والقول هو الأول، قال أبو إسحاق: والأجود أن يكون يعني به المؤنث [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 407.]].