الباحث القرآني

وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَٰنِ إِنَاثًا ۚ أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ ۚ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ﴾ قال أبو إسحاق: الجعل هاهنا في معنى القول والحكم على الشيء، يقول: قد جعلت زيدًا أعلم الناس، أي قد وصفته بذلك وحكمت به. قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ [[لعل في الكلام سقطًا هاهنا، فكأن المؤلف يشير إلى القراءة الأخرى، وهي قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر: ﴿عِندَ الرَّحْمَنِ﴾ بالنون، وقرأ الباقون: ﴿عِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ بالباء، ومما يقوى ذلك أنه غالباً ما ينقل عن "الحجة" لأبي علي الفارسي وهي هكذا في "الحجة" بنفس الشواهد انظر: "الحجة" 6/ 140. وقال في "الوسيط" 4/ 67 بعد هذا المقطع: وقرئ ﴿عِندَ الرَّحْمَنِ﴾ وكل صواب.]]، وكلٌّ صواب، قد جاء التنزيل بالأمرين جميعًا في وصف الملائكة، وذلك قوله: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: 26]، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأعراف: 206]، وقوله: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنبياء: 19]، وفي قوله: (عند الرحمن) دلالة على رفع المنزلة، والتقريب كما قال: {وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ} [النساء: 172]. وهذا من القرب في المنزلة والرفعة في الدرجة، وليس من قرب المسافة [[انظر: "الحجة" 6/ 140، "الكشف عن وجوه القراءات" لمكي 2/ 256.]]، واختار أبو عبيد: (عباد الرحمن) قال: وفي ذلك تكذيب لقولهم بنات الله، أخبر أنهم عبيده وليسوا بناته [[انظر: "اختيار" أبي عبيد في "إعراب القرآن" للنحاس 4/ 102، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 72.]]، واختار أبو حاتم: (عند الرحمن)، وقال: إن فيه مدحًا لهم. وقال المبرد: هذه القراءة أنبأ عن صحة كذبهم مما اختاره القسم [[كذا رسمها، ولعله سقط لفظ (الأول).]]، لأن المعنى أن الملائكة عنده وليسوا عندهم [رواهم] [[كذا رسمها، ولعل الصواب (يرونهم).]]، فكيف حكموا بأنوثتهم، يدل على هذا قوله: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾، (فعند) على ما ذكره المبرد ينبئ عن العلم لا عن الدنية [[قال الطبري: والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان في قراءة الأمصار صحيحتا المعنى فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب، وذلك أن الملائكة عباد الله وعنده. "تفسير الطبري" 13/ 58، ولم أقف على قول المبرد.]]. واختلفوا في قوله: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ فقرأه العامة من الشهود، ويدل عليه قوله: ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ﴾ [الصافات: 150]، وقرأ نافع: (أَأشْهِدُوا) على أفعلوا بضم الهمزة وسكون الشين وقبلها همزة الاستفهام مفتوحة، ثم خففت الهمزة الثانية من غير أن يدخل بينهما الفاء. وروى المسيبي عنه بإدخال الألف بين الهمزتين، و (شهد) الذي يراد به حضر يتعدَّى إلى مفعول به من غير حرف جر كقوله: شَهدنا فَمَا تَلْقَى لَنَا مِنْ كَتِيْبَةٍ ... يَدَ الدَّهرِ إلَّا جبْرئيلٌ أمَامُها [[البيت لحسان بن ثابت في ملحقات "ديوانه" 1/ 522، وينسب البيت لكعب بن مالك. انظر: "الخزانة" 1/ 199، "اللسان" (جبر) 4/ 114، "الحجة" 6/ 142.]] وهذا محذوف المفعول التقدير فيه: شهدنا المعركة أو من اجتمع لقتالها، وهذا الضرب يتعدَّى إلى مفعول واحد، فإذا نقل بالهمز تعدَّى إلى مفعولين تقول: شهد زيد المعركة، وأشهدته إياها، ومن ذلك قوله: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [[انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 142، وفيها: أو من اجتمع لقتالنا، بدل قتالها، وكتاب: التذكرة في القراءات 2/ 666، "الكشف" لمكي 2/ 257.]] [الكهف: 51]، فقوله: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ من الشهادة التي هي الحضور، كأنهم وبِّخوا على أن قالوا ما لم يحضروا له، مما حُكْمُه أن يُعْلم بالمشاهدة، ومن قرأ: (أَأشْهِدوا) فالمعنى: أو أحضروا ذلك [[كذا رسمها في الأصل وفي "الحجة" (أأشهدوا)، فالمعنى: أأحضروا ذلك، انظر: 6/ 146.]]، ويقوي هذه القراءة قوله: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الكهف: 51]، وقال المبرد: القراءتان تؤولان إلى معنى؛ لأنه لا يشهد هذا الموضع أحد إلا أن يشهده الله [[لم أقف على قول المبرد، وقد ذكر نحو ذلك النحاس في "إعراب القرآن" 4/ 104.]]. [فإذا شهدوا وأشهدوا، وإذا شهد فقد شهدوا] [[كذا رسمها في الأصل، وفي "إعراب القرآن" للنحاس (لأنهم إذا شهدوا فقد أشهدوا).]]. قال ابن عباس: يريد أحضروا أو عاينوا خلقهم. قال الكلبي ومقاتل: لما جعلوا الملائكة بنات الله سألهم النبي -ﷺ- فقال: "ما يدريكم أنهم إناث؟ " قالوا: سمعنا من آبائنا ونحن نشهد أنهم لم يكذبوا أنهم إناث، فقال الله: ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ﴾ أي: ستحفظ شهادتهم ويسألون عنها في الآخرة [[انظر: "تنوير المقباس" ص 490، "تفسير مقاتل" 3/ 791، "تفسير البغوي" 7/ 209، "تفسير الوسيط" 4/ 68.]].