الباحث القرآني

جديد: مقرئ المتون
وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَٰنُ مَا عَبَدْنَاهُم ۗ مَّا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ
قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ قال الكلبي: بنو مليح [[بنو مليح بن عمرو بن عامر بن لحي بن قَمَعَة بن إلياس، ويقال إن بني مليح هؤلاء من ولد الصلت بن مالك بن النضر بن كنانة انظر: "جمهرة أنساب العرب" لابن حزم ص 238.]] من خزاعة كانوا يعبدون الملائكة، قالوا: لو شاء الرحمن ما عبدناهم، ونحو هذا قال قتادة ومقاتل [[انظر: "تنوير المقباس" ص 490، "تفسير مقاتل" 3/ 791، "القرطبي" 16/ 74.]]. قوله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ قال أبو إسحاق: ما لهم بقولهم إن الملائكة بنات الله من علم [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 408.]]، يدل على هذا قوله: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ وقال أصحابنا إنهم عنوا بقولهم: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ أنه قدرنا على عبادتها فَلَمْ يعاقبنا؛ لأنه رضي بذلك منا [[ذكر ذلك الثعلبي في "تفسيره" 10/ 81 أ.]]. وذلك كذب منهم، لأن الله تعالى وإن أراد كفر الكافر لا يرضاه، وليس تقديره الكافر على الكفر رضا منه [[قال ابن كثير رحمه الله: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ أي لو أراد الله لحال بيننا وبين عبادة هذه الأصنام فإنه عالم بذلك وهو يقررنا عليه فجمعوا بين أنواع كثيرة من الخطأ: الأول: جعلهم لله تعالى ولدًا. الثاني: دعواهم أنه اصطفى البنات على البنين. == الثالث: عبادتهم لهم مع ذلك كله بلا دليل ولا برهان ولا إذن من الله -عز وجل-. الرابع: احتجاجهم بتقديرهم على ذلك قدراً، وقد جهلوا في هذا الاحتجاج جهلاً كبيرًا فإنه تعالى قد أنكر ذلك عليهم أشد الإنكار. انظر: "تفسير ابن كثير" 6/ 222. وقال شارح الطحاوية: أما أهل السنة فيقولون إن الله وإن كان يريد المعاصي قدراً فهو لا يحبها ولا يرضاها ولا يأمر بها بل يبغضها ويسخطها ويكرهها وينهى عنها، وهذا قول السلف قاطبة فيقولون: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. انظر: "شرح الطحاوية" 1/ 79.]]، فذلك يدل على ذلك. ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ أي: لا علم لهم بما يدَّعون، ولكنهم يخرصون في ذلك، وهذا إنكار ورد ولا يحتمل أن يكون ردًا لظاهر قولهم: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ ، لأن هذا القول حق وإن كان من الكافر؛ لأن الحق حق حيث ما كان، فلا يحتمل أن يكون هذا الإنكار واقعًا إلا على ما أولناه من أن قولهم: لو شاء الرحمن ما عبدنا؛ لأن هذا القول حق أمرنا أن نعبدهم؛ لأن هذا افتراء وكذب منهم على الله، فهذان قولان صحيحان في معنى الآية: أحدهما: وهو أن قول أبي إسحاق أن قوله: ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ إنكارٌ لما ذكر عنهم من قوله: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾، وقوله: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾. والثاني: أنهم [أروا] [[كذا رسمها، ولعل المراد (أرادوا).]] بقولهم: لو شاء الرحمن ما عبدناهم، أنه أمرنا بذلك، وأنه رضي بذلك فقدرنا عليه، فأنكر عليهم، وهذه الآية كقوله: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ في سورة النحل [35].