الباحث القرآني

وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: يعني لا إله إلا الله، وقال قتادة: لا يزال في ذريته من يعبد الله ويوحده [[انظر: "تفسير أبي الليث" 3/ 206 فقد ذكر القول ولم ينسبه، ونسبه الماوردي 5/ 222، والبغوي 7/ 210، والقرطبي 16/ 77 لمجاهد وقتادة، ونسب القرطبي لابن عباس قوله: في عقبه أي في خلفه.]]، والكناية على هذا في قوله (وجعلها) تعود إلى كلمة التوحيد لا إل إلا الله والمعنى: وجعل كلمة التوحيد باقية في عقب إبراهيم، ولم يسبق ذكر كلمة التوحيد حتى يكنى عنها. قال صاحب النظم: قد رضيت العامة بقول المفسرين من غير وقوف على حقيقة مخرج هذه الكلمة، وإذا تأملت الآية رددتها بالاعتبار إلى تأويلها، دلت على قيام لا إله إلا الله فيها مصورة، وذلك أن النفي والتنزيه عند العرب واحد في المعنى. وقوله -عز وجل- ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ﴾ مثل قولك: لا، لأنه يتبرأ بها من الشيء. قوله: ﴿مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ كل معبود عند العرب كان يسمى إلهًا، فقد رجع تأويل هذه الآية بهذا الاعتبار أنها كناية عن الإله، ثم قال: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ ولا يهدي ولا يفطر إلا الله -عز وجل-، وكأنه قال: إلا الله، وقد انتظمت الكلمتان بهذا التأويل لا إله إلا الله. وقوله: ﴿فِي عَقِبِهِ﴾ قال مقاتل: في ذرية إبراهيم، وقال الكلبي: في نسله [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 793، "تنوير المقباس" ص 491، وفص العبارة عند مقاتل: يعني في ذريته، يعني ذرية إبراهيم.]]، وقال الحسن: عقب الرجل: نسله إلى يوم القيامة. وقال ابن عباس: يريد في ولده وولد ولده إلى يوم القيامة [[انظر: "تفسير أبي الليث" 3/ 206، "تفسير الماوردي" 5/ 222، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 77.]]. قال الأزهري: وكل شيء خلف بعد شيء فقد عقبه يعقب عقبًا وعقوبًا، ولهذا قيل لولد الرجل عقبه، ومنه حديث عمر رحمه الله أنه سافر في عقب رمضان، أي في آخره [[انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري (عقب) 1/ 271، وانظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد (عقب) / 243، "غريب الحديث" لابن الجوزي (عقب) 2/ 111، "النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير (عقب) 3/ 268.]]. قول: ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ قال الفراء: أي لعل أهل مكة يتبعون هذا الدين إذ كانوا من ولد إبراهيم، فذلك قوله: ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي: إلى دينك دين إبراهيم [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 31.]]، وقال قتادة: لعلهم يتوبون ويرجعون عما هم عليه إلى عبادة الله [[انظر: "تفسير الماوردي" 5/ 223، فقد أورد عدة أقوال عن قتادة بلفظ: (يذكرون)، وعن ابن عباس بلفظ (يتوبون)، وعن الفراء: (يرجعون إلى دينك الذي هو دين إبراهيم)، وذكره البغوي 7/ 211 ونسبه للسدي.]].