الباحث القرآني

وَلَن یَنفَعَكُمُ ٱلۡیَوۡمَ إِذ ظَّلَمۡتُمۡ أَنَّكُمۡ فِی ٱلۡعَذَابِ مُشۡتَرِكُونَ
﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ﴾ أي: أشركتم في الدنيا، قاله ابن عباس ومقاتل. قال عطاء: لن ينفعكم اليوم هذا الكلام، يعني قوله: يا ليت بيني وبينك، وقال مقاتل: لم ينفعكم اليوم في الآخرة الندم والاعتذار [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 75، "تفسير مقاتل" 3/ 795.]]، وهذا إنما يصح أن لو قرئ: (إِنكم في العذاب) بكسر الهمزة على الابتداء، وإذا فتحت الهمزة تفسير للذي لا ينفعهم، وهو اشتراكهم مع شياطينهم في العذاب. وذكر ابن مجاهد أن ابن عامر قرأ ﴿إِنَّكُمْ﴾ بكسر الألف [[انظر: كتاب: السبعة لابن مجاهد ص 586، "الحجة" 6/ 155.]]، وهو صحيح على ما ذكرنا من قول ابن عباس ومقاتل، وهو على إضمار فاعل ينفعكم، والفاعل ما ذكراهما، والمعنى: ولن ينفعكم اليوم التبرؤ إذ ظلمتم أمس، ودل على التبرؤ قوله: ﴿يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾ والفاعل قد يضمر إذا دلت عليه الحال كقولهم: إذا كان غدًا فأتني، وعلى هذه القراءة ﴿إِنَّكُمْ﴾ ابتداء كلام، ومن إضمار الفاعل في التنزيل قوله: ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ [آل عمران: 173] أي زادهم قولُ الناس إيمانًا، وقرأه العامة: ﴿أَنَّكُمْ﴾ بفتح الهمزة. قال المفسرون: لا يخفف الاشتراك عنهم؛ لأن لكل أحد من الكفار والشياطين الحظ الأوفر من العذاب [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 75، "الثعلبي" 10/ 84 أ، "البغوي" 7/ 214.]]. قال المبرد فيما حكى عنه الزجاج: أنهم مُنِعوا روح التأسي، [لأن التأسي] [[(لأن التآسي) ساقط من الأصل وهي هكذا عند الزجاج.]] يسهل المصيبة، فأعْلموا أنه لن ينفعهم الاشتراك في العذاب، فإن الله لا يجعل لهم فيه أسوة [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 412.]]. ومما يدل على أن التأسي يخفف قول الخنساء: ولولا كَثْرةُ البَاكِينَ حَوْلي ... على إخْوَانهم لَقَتَلْتُ نَفْسِي وما يَبْكُونَ مِثْلَ أخِي ولكِن ... أعَزّي النَّفْسَ عَنْهُ بالتَّأسِّي [[انظر: "ديوانه" ص 62، "معاني القرآن" للنحاس 6/ 362، "وشواهد الكشاف" 4/ 64، "الدر المصون" 6/ 99، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 91.]] وقال آخر: وهَوّنَ وَجْدِي عن خَلِيلِي أنني ... إذا شِئْتُ لاقيت امرأ ما صاحبه [[لم أقف عليه.]] وذكر أبو علي نحو هذا فقال: ولن ينفعكم اليوم اشتراككم، وفي هذا حرمان التأسي، وهي نعمة يسلبها الله أهل النار، ليكون أشد لعذابهم، ألا ترى أن التأسي قد يخفف كثيرًا من الحزن عن المتأسي كما جاء: ولكن أُسَلَّي النفْسَ عنه بالتَّأسَّي [[انظر: "الحجة" لأبي علي 6/ 155، 156، "عجز البيت" للخنساء.]]