الباحث القرآني

جديد: مقرئ المتون
وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَٰنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ
قوله: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾ اختلف المفسرون وأهل التأويل في هذه الآية، فذهب طائفة إلى أن المعنى: واسأل مؤمني أهل الكتاب الذين أرسلت إليهم الأنبياء، هل جاءتكم الرسل إلا بالتوحيد؟ وهذا قول ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن والمقاتلين، واختيار الزجاج والفراء وابن قتيبة [[أخرج ذلك الطبري في "تفسيره" 13/ 77 عن قتادة ورجحه، وأوردد البغوي في "تفسيره" 7/ 216، وابن عطية في "تفسيره" 1/ 2634، وابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 319، والقرطبي في "الجامع" 16/ 96، وانظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 34، و"تفسير غريب القرآن" لابن قيبة ص 399.]]. قال الزجاج: المعنى: سل أمم من أرسلنا [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 414.]]، وعلى هذا فقد حذف المضاف، وقال الفراء: هو أن تسأل التوراة والإنجيل، [فيخبروه أنه كتب] [[كذا في الأصل وفي "معاني الفراء": (فإنهم إنما يخبرونه عن كتب .. ..).]] الرسل، فإذا سأل الكتاب فكأنه سأل الرسل [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 34.]]. وقال ابن قتيبة: تقدير الآية: واسأل من أرسلنا، يعني: أهل الكتاب [[انظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتية ص 399.]]. قال ابن الأنباري [[لم أقف على قول ابن الأنباري، وقد ذكر نحوه النحاس في "إعراب القرآن" 4/ 111، 112.]]: وهذا خطأ في النحو؛ لأنه لا يصلح إضمار (إِلَيْهِ) اتفق النحويون أنه لا يجوز: الذي جلست عبد الله، على معنى: الذي جلست إليه؛ لأن (إليه) حرف منفصل، والمنفصل لا يضمر في صلة الموصول لانفصاله من الفعل؛ لأنه يجري مجرى المظهر. كما أنك إذا قلت: الذي أكرمك أبا عبد الله، لم يجز أن يضمر أباه، وإنما يحسن الإضمار في الهاء المتصلة نحو: الذي أكلت طعامك إذا أكلته، فحذف الهاء تخفيفًا لطول الاسم؛ لأن (الذي) و (أكلت) حرف واحد، ومعنى الآية: تِبَاع من أرسلنا [[انظر: "تفسير ابن عطية" 14/ 265 بهذا اللفظ، وذكره في "الوسيط" 4/ 75 عن ابن الأنباري بلفظ: (سل أتباع من أرسلنا).]] فيكون هذا من باب حذف المضاف، ومعنى هذا الأمر بالسؤال التقدير لمشركي قريش أنه لم يأت رسول ولا كتاب بعبادة غير الله. وقال عطاء عن ابن عباس: لما أسري بالنبي -ﷺ- إلى المسجد الأقصى بعث الله تعالى، آدم ومن ولد من المرسلين، فأذن جبريل ثم أقام وقال: يا محمد تقدم فصلِّ بهم، فلما فرغ رسول الله -ﷺ- من الصلاة، قال له جبريل: سل يا محمد [...] [[كذا في الأصل، وقد سقط لفظ: (من).]] قبلك من رسلنا، الآية فقال رسول الله -ﷺ-: "لا أسأل قد اكتفيت" [[أخرج نحو ذلك الطبري 13/ 78 عن ابن زيد، ونسبه البغوي 7/ 216 لعطاء عن ابن عباس، ونسبه القرطبي 16/ 95 لابن عباس وابن زيد، ونسبه في "الوسيط" 4/ 75 لعطاء عن ابن عباس.]]. وهذا قول سعيد بن جبير والزهري، قالوا: جمع له الرسل ليلة أسري به فلقيهم وأمر أن يسألهم، فلم يشكك ولم يسأل [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 78، "تفسير الماوردي" 5/ 228، "البغوي" 7/ 216، "زاد المسير" 7/ 319، "الوسيط" 4/ 75، وقد زاد بعضهم نسبته لابن زيد.]]. وذكر أبو إسحاق قولاً ثالثًا وهو: أن يكون الخطاب للنبي -ﷺ- والمراد: الذين بعث إليهم، كأنه قيل لهم: سلوا الذين أرسلنا إليهم الرسل قبل محمد، هل أتوا بدين غير التوحيد؟ ولكن الكلام خرج على مخاطبته -ﷺ- كما قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: 1] [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج بتصرف في العبارة 4/ 414.]]. وذكر صاحب النظم وجهًا آخر [حلفًا فاسدًا] [[كذا رسمها في الأصل ولم أتبينها.]] فقال: المعنى سل الأنبياء الذين أرسلناهم من هم لتعرفهم، كما تقول: سل من هذا، أي: سل الناس من هذا الرجل، فكأنه قال: سلنا من أرسلنا [[ذكر نحو ذلك أبو حيان في "البحر المحيط" 8/ 18، والألوسي في "تفسيره" 25/ 86.]]، وتم الكلام [[انظر: "القطع والائتناف" للنحاس ص 648.]]، ثم قال مبتدئًا قوله تعالى: ﴿أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ على معنى الإنكار أي: ما جعلنا ذلك، فيكونان خبرين لا خبرًا واحداً، وهذا مما لا يُعرَّج عليه لأن النظم ومعنى الخطاب لا يحتمله.