الباحث القرآني

جديد: مقرئ المتون
أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَٰذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ
قوله تعالى: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ﴾ اختلف المفسرون وأهل التأويل في معنى (أم) هاهنا فقال أبو عبيدة: مجازها: بل أنا خير [[انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 204.]]، وعلى هذا تمام الفصل عند قوله: أفلا تبصرون [[انظر: "القطع والاثتناف" للنحاس ص 649، "المكتفى" للداني ص 509.]] ثم ابتدأ فصلاً آخر فقال: (أم أنا خير) على تأويل: أنا خير، وهذا قول مقاتل، قال: ليس باستفهام يعني: بل أنا خير، ونحو هذا قال السدي [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 797، "تفسير الطبري" 13/ 81 فقد أخرج عن السدي.]]. وقال أبو إسحاق: قال سيبويه والخليل: عطف ﴿أَنَا﴾ بأم على ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ كأنه قال: أفلا تبصرون أم تبصرون، قال: لأنهم إذا قالوا له: أنت خير منه، فقد صاروا عنده بصراء، فكأنه قال: أفلا تبصرون أم أنتم بصراء [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 415، "الكتاب" 3/ 173، "الجمل في النحو" للخليل ص 320، "معاني الحروف" للرماني ص 173، 174.]]، وهذا فيه بعض الغموض، ولا يقف عليه إلا من تأمل وتفكر. وذكر صاحب النظم وجهًا حسنًا وهو: أن يكون تمام الكلام عند قولى: أم، وقوله: (أنا خير) فصل آخر مبتدأ، على تأويل: أفلا تبصرون أم تبصرون، فكيف ذكر (تبصرون) اكتفاء بذكره في قوله: (أفلا تبصرون) كما يقال في الكلام: أتاكل أم لا، فسكت على الاكتفاء بما قبله من ذكر الأكل، وكذلك يكون إذا قدمت النفي فتقول: ألا تأكل أم تأكل، ثم يكف، ذكر تأكل بعد (أم) اكتفاء بذكره في أول الكلام، فكذلك قوله: أفلا تبصرون أم تبصرون، فكف ذكر (تبصرون) عند (أم) لجري ذكره، وهذا معنى قول مجاهد: أم تام يقف، ثم أنا خير أفلا تبصرون أم قد أبصرتم [[انظر: "المكتفى في الوقف والابتدا" للداني ص 508، "تفسير الطبري" 13/ 81.]]. وقوله: ﴿أَنَا خَيْرٌ﴾ قال مقاتل: أفضل ﴿مِنْ هَذَا﴾ يعني: موسى ﴿الَّذِي هُوَ مَهِينٌ﴾ يعني: ضعيف ذليل [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 797.]]، وقال الكلبي: ضعيف في بدنه [[انظر: "تنوير المقباس" ص 493.]]، وقال الليث: رجل مهين صغير ضعيف [[انظر: "العين" للخليل (مهن) 4/ 61، "تهذيب اللغة" (مهن) 6/ 329.]]. وقال الزجاج: معنى مهين قليل، يقال: شيء مهين أي: قليل، وهو فعيل من المهانة [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 415.]]. قوله تعالى: ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ قال ابن عباس: لا يبين الكلام [[لم أقف عليه.]]، وقال الكلبي: لا يكاد يبين حجته [[انظر: "تنوير المقباس" ص 493.]]، وقال قتادة والسدي: آفة بلسانه [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 82، "تفسير مقاتل" 3/ 797، "الماوردي" 5/ 230.]]، وقال الزجاج: يعني اللثغة [[قال الأزهري: أخبرني المنذري عن المبرد أنه قال: (اللثغة أن يُعدل بحرف إلى حرف) وقال الليث: الألثغ: الذي يتحول لسانه من السين إلى الثاء والمصدر: اللثغُ واللُّثْغَةُ، وقال أبو زيد: الألثغ: الذي لا يُتم رفع لسانه في الكلام وفيه ثقل. انظر: "تهذيب اللغة" (لثغ) 8/ 92.]] التي كانت بلسان موسى [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 415.]]. فإن قيل: أليس موسى سأل الله أن يذهب الرُّتَّةَ [[قال الليث: (الرُّتَّة: عجلة في الكلام. ورجل أرت). وقال ابن الأعرابي: رترت الرجل إذا تعتع في التاء وغيرها. انظر: "تهذيب اللغة" (رت) 14/ 250، وقال ابن قتيبة عند قوله تعالى: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾ أي: رَتَّةً كانت في لسانه. انظر: "تفسير غريب القرآن" ص 278.]] من لسانه بقوله: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه: 27 - 28] أعطاه ذلك بقوله: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾ [طه: 36] فكيف عابه فرعون باللثغة؟ والجواب عن هذا من وجهين: أحدهما: أن فرعون أراد: لا يكاد يبين حجته التي تدل على صدقه فيما يدعي، ولم يرد أنه لا يوضح ما يتكلم به، وهذا كذب من فرعون وعناد بعد ما رأى من الآية، هذا معنى قول مقاتل [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 797.]]. والجواب الثاني: عابه مما كان عليه أولاً، وذلك أن موسى كان عند فرعون دهرًا وهو ألثغ لا يكاد يبين، فنسبه فرعون إلى ما عهده عليه من الرُّتَّةَ. ويقوي الجواب الأول قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ﴾ ألا ترى أنه اقترح الآيات، ولم يكتف بما ظهر من معجزته، وليس للأمم أن يقترحوا من الآيات، ما يريدون، بل إذا أتى الرسول بما فيه دلالة على صدقه وجب الإيمان به. واختلف القراء في ﴿أَسْوِرَةٌ﴾ فقرءوا بوجهين: أسورة وأساورة، فأسورة جمع سوار لأدنى العدد، كقولك: خِمَارٍ وَأَخْمِرَةٍ، وغُرَابٍ وأَغْرِبَة، ومن قال في سوار: أسوار، جمعه أساوير وأساورة، تكون الهاء عوضًا من الياء نحو: بطاريق وبطارقة، وزناديق وزنادقة، وقدادين وقدادنة، فيكون أساورة: جمع أسوار، وإن شئت فجمع أسورة، كما تقول: أساقٍ في جمع أسقية، وأساقي في جمع أسقية، هذا كلام المبرد [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 35 بنحوه، "الدر المصون" 6/ 103 ولم أقف على قول المبرد]]. وقال أبو زيد: هو سوار المرأة وأسوار المرأة، وهما قُلْبان يكونان في يديها [[انظر: "تهذيب اللغة" (سور) 13/ 51.]]، وأسورة جمع سوار مثل: سقاءٍ وأَسْقِيَةٍ، وإزارٍ وآزِرَة، وخوانٍ وأَخوِنَةٍ، وأساورة جمع أسوار، وألحق الهاء في الجمع عوضًا من الياء التي ينبغي أن تلحق في جمع أسوار، على حد إعصار وأعاصير، كذلك أسوار وأساور، ثم يقال: أساورة، ويجوز أن يكون جمع أسورة مثل أسقية وأساق، وهذا كلام أبي علي [[انظر: "الحجة" لأبي علي 6/ 151، "الكشف عن وجوه القراءات" لمكي 2/ 259.]]. وقال مقاتل: يقول فهلا ألقى على موسى إلهه الذي أرسله أسورةً من ذهب إن كان صادقًا أنه رسول [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 798.]]، وقال الكلبي: كان الرجل إذا ارتفع سوّروه [[انظر: "تفسير أبي الليث" 3/ 209، "زاد المسير" 7/ 322 من غير نسبة.]]. وقال مجاهد: كانوا إذا سودُوا رجلاً سوّروه بسوار وطوقوه بطوق من ذهب، يكون ذلك دلالة على سيادته [[انظر: "تفسير البغوي" 7/ 217، "الجامع" للقرطبي 16/ 100 ونسباه لمجاهد.]]. قال أبو إسحاق: كأنه لما وصف نفسه بالملك والرياسة فقال: هلا جاء موسى يلقى عليه أسورة من ذهب، يدل على أنها من عند إلهه الذي يدعوكم إلى توحيده [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 415.]].